كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

فلا يجمعان أبدا وثبتت بينهما حرمة كحرمة الرضاع وبه قالت الآئمة الثلاثة وأدلة هذه الأقوال وما لها وما عليها تطلب من كتب الفقه المبسوطة واستدل بمشروعية اللعان على جواز الدعاء باللعن على كاذب معين فإن قوله : لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين دعاء على نفسه باللعن على تقدير كذبه وتعليقه على ذلك لا يخرجه عن التعيين نعم يقال إن مشروعيته إن كان صادقا فلو كان كاذبا فلا يحل له واستدل الخوارج على أن الكذب كفر لاستحقاق من يتصف به اللعن وكذا الزنا كفر لاستحقاق فاعله الغضب فإن كلا من اللعن والغضب لا يستحقه إلا الكافر لأن اللعن الطرد عن الرحمة وهو لا يكون إلا لكافر والغضب أعظم منه وفيه أنه لا يسلم أن اللعن في أي موضع وقع بمعنى الطرد عن الرحمة فإنه قد يكون بمعنى الإسقاط عن درجة الأبرار وقد يقصد به إظهار خساسة الملعون وكذا لا يسلم اختصاص الغضب بالكافر وإن كان أشد من اللعن والله تعالى أعلم
ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وإن الله تواب حكيم
10
- التفات إلى خطاب الرامين والمرميات بطريق التغليب لتوفيه مقام الإمتنان حقه وجواب لو لا محذوف لتهويله حتى كأنه لا توجد عبارة تحيط ببيانه وهذا الحذف شائع في كلامهم
قال جرير : كذب العواذل لو رأين مناخنا بحزيز رامة والمطي سوام ومن أمثالهم لو ذات سوار لطمتني فكأنه قيل : لو لا تفضله تعالى عليكم ورحمته سبحانه وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة حكيم في جميع أفعاله وأحكامه التي من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان مما لا يحيط به نطاق البيان ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه أعرف بحال زوجته وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الفضاحة وبعد ما شرع لهم لو جعل شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر إليها ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتما دارئة لما توجه إليه من الغائلة الدنيوية وقد ابتلى الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأته عنه وأطم وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى أما على الصادق فظاهر وأما على الكاذب فهو إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبيء عنه التعرض لعنوان توابيته تعالى فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته قاله شيخ الإسلام وعن ابن سلام تفسير الفضل بالإسلام ولا يخفى أنه مما لا يقتضيه المقام وعن أبي مسلم أنه أدخل في الفضل النهي عن الزنا ويحسن ذلك لو جعلت الجملة تذييلا لجميع ما تقدم من الآيات من البعد ما فيه إن الذين جاءوا بالإفك أي بأبلغ ما يكون من الكذب والإفتراء وكثيرا ما يفسر بالكذب مطلقا وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك وجوز فيه فتح الهمزة والفاء وأصله من الأفك بفتح فسكون وهو القلب والصرف لأن الكذب مصروف عن الوجه الذي يحق والمراد به ما أفك به الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على أن اللام فيه للعهد وجوز حمله على الجنس قيل فيفيد القصر كأنه لا إفك إلا ذلك الإفك وفي لفظ المجيء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل وتفصيل القصة ما أخرجه البخاري وغيره عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله

الصفحة 111