كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
وكان لعنه الله تعالى يجمع الناس عنده ويذكر لهم ما يذكر من الإفك وهو أول من اختللقه وأشاعه لا معانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه و سلم وعذابه في الآخرة بعد جعله في الدرك الأسفل من النار لا يقدر قدره إلا الله عز و جل وأما في الدنيا فوسمه بميسم الذل وإظهار نفاقه على رؤس الأشهاد وحده حدين على ما أخرج الطبراني وابن مردوية عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من أنه صلى الله عليه و سلم بعد أن نزلت الآيات خرج إلى المسجد فدعا أبا عبيدة ابن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله تعالى من البراءة لعائشة وبعث إلى عبد الله بن أبي فجيء به فضربه عليه الصلاة و السلام حدين وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة فضربوا ضربا وجيعا ووجئوا في رقابهم وقيل : حد حدا واحدا فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه فسر العذاب في الدنيا بجلد رسول الله صلى الله عليه و سلم إياه ثمانين جلدة وعذابه في الآخرة بمصيره في النار وقيل : إنه لم يحد أصلا لأنه لم يقر ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيرا لجزائه إلى يوم القيامة كما أنه لم يلتزم إقامة البينة على نفاقه وصدور ما يوجب قتله لذلك وفيه نظر
وزعم بعضهم أنه لم يحد مسطح وآخرون أنه لم يحد أحد ممن جاء بالإفك إذ لم يكن إقرار ولم يلتزم إقامة بينة وفي البحر أن المشهور حد حسان ومسطح وحمنة وقد أخرجه البزاز زابن مردوية بسند حسن عن أبي هريرة وقد جاء ذلك في أبيات ذكرها ابن هشام في ملخص السيرة لأبن إسحاق وهي : لقد ذاق حسان الذي كان أهله وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم الغيب أمر نبيهم وسخطه ذي العرش الكريم فأنزحوا وآذوا رسول الله فيها فجللوا مخازي بغي يمموها وفضحوا وصب عليهم محصدات كأنها شابيب قطر من ذرى المزن تسفح وقيل : الذي تولى كبره حسان واستدل بما في صحيح البخاري أيضا عن مسروق قال : دخل حسان على عائشة فشبب وقال حصان البيت قالت : لكنك لست كذلك قلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم : وأي عذاب أشد من العمى وجاء في بعض الأخبار أنها قيل لها : أليس الله تعالى يقول والذي تولى كبره الآية فقالت : أليس أصابه عذاب عظيم أليس قد ذهب بصره وكسع بالسيف تعني الضربة التي ضربها إياه صفوان حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك فإنه يروى أنه ضربه بالسيف على رأسه لذلك ولأبيات عرض فيها به وبمن أسلم من العرب من مضر وأنشد : تلق ذباب السيف مني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر ولكنني أحمى حماي وأتقي من الباهت الرأي البريء الظواهر وكاد يقتله بتلك الضربة فقد روي ابن إسحاق أنه لما ضربه وثب عليه وثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحرث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال : ما هذا قال : أما أعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله فقال له عبد الله : هل علم رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك وبما صنعت قال : لا والله قال : لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه فأتوا رسول الله عليه الصلاة و السلام فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان فقال صفوان : يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : يا حسان أتشوهت على قومي بعد أن هداهم الله تعالى للإسلام