كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

ثم قال : أحسن في الذي أصابك فقال : هي لك يا رسول الله فعوضه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منها بيرحاء وكان طلحة بن سهل أعطاها إباه عليه الصلاة و السلام ووهبه أيضا سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان
وفي رواية في صحيح البخاري عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها أنها قالت في الذي تولى كبره منهم هو أي المنافق ابن أبي وحمنة وقيل : هو وحسان ومسطح وعذاب المنافق الطرد وظهور نفاقه وعذاب الأخيرين بذهاب البصر ولا يأبى إرادة المتعدد إفراد الموصول لما في الكشف من أن الذي يكون جمعا وإفراد ضميره جائز باعتبار إرادة الجمع أو الفوج أو الفريق أو نظر إلى أن صورته صورة المفرد وقد جاء إفراده في قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به وجمعه في قوله سبحانه وخضتم كالذي خاضوا والمشهور جواز استعمال الذي جمعا مطلقا واشتراط ابن مالك في التسهيا أن يراد به الجنس لا جمع مخصوص فإن أريد الخصوص قصر على الضرورة هذا ولا يخفى أن إرادة الجمع هنا لا تخلو عن بعد والذي اختاره إرادة الواحد وأن ذلك الواحد هو عدو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم والمؤمنين ابن أبي وقد روى ذلك الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة وكلهم سمع عائشة تقول الذي تولى كبره عبد الله بن أبي وقد تظافرت روايات كثيرة على ذلك والذاهبون إليه من المفسرين أكثر من الذاهبين منهم إلى غيره ومن الإفك الناشيء من النصب قول هشام بن عبد الملك عليه من الله تعالى ما يستحق حين سئل الزهري عن الذي تولى كبره فقال له : هو ابن أبي كذبت هو علي يعني به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وقد روي ذلك عن هشام البخاري والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ولا بدع من أموي الإفتراء على أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه وأنت تعلم أن قصارى ما روي عن الأمير رضي الله تعالى عنه أنه قال لأخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه و سلم حين استشاره يا رسول الله لم يضيق الله تعالى عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك
وفي رواية أنه قال : يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه ضرب بريرة وقال : أصدقي رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس في ذلك شيء مما يصلح مستندا لذلك الأموي الناصبي وجل غرض الأمير مما ذكر أن يسري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما هو فيه من الغم غاية ما في الباب أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسامة وهو أمر غير متعين ومن دقق النظر عرف مغزى الأمير كرم الله تعالى وجهه وأنه بعيد عما يزعمه النواصب بعد ما بين المشرق والمغرب فليتدبر لو لا إذ سمعتموه التفات إلى خطاب الخائضين ما عدا من تولى كبره منهم واستظر أبو حيان كون الخطاب للمؤمنين دونه واختير الخطاب لتشديد ما في لو لا التحضيضية من التوبيخ ولتأكيد التوبيخ عدل إلى الغيبة في قوله تعالى : ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا لكن لا بطريق الإعراض عن المخاطبين وحكاية جناياتهم لغيرهم بل بالتوسل بذلك إلى وصفهم بما يوجب الإتيان بالمحض عليه ويقتضيه اقتضاء تاما ويزجرهم عن ضده زجرا بليغا وهو الإيمان وكونه يحملهم على إحسان الظن ويكفهم عن إساءته بأنفسهم أي بأنباء جنسهم وأهل ملتهم النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى ولا تلمزوا أنفسكم وقوله سبحانه ثم أنتم هؤلاء تقتلون

الصفحة 117