كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

أنفسكم ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر وإن قيل بجوازه مما لا ريب فيه فإخلالهم بموجب ذلك الوصف أقبح وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى توبيخ الخائضات والمشهور منهن حمنة ثم إن كان المراد بالإيمان الحقيقي فإيجابه لما ذكر واضح والتوبيخ خاص بالمتصفين به وإن كان مطلق الإيمان الشامل لما يظهره المنافقون أيضا فإيجابه له من حيث أنهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدعاهم فالتوبيخ حينئذ متوجه إلى الكل والنكته في توسيط معمول الفعل المحضض عليه بينه وبين أداة التحضيض وإن جاز ذلك مطلقا أي سواء كان المعمول الموسط ظرفا أو غيره تخصيص التحضيض بأول وقت السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير الإتيان بالمحضض عليه عن ذلك الآن والتردد فيه ليفيد عدم الإتيان به رأسا في غاية ما يكون من القباحة والشناعة أي كان الواجب على المؤمنين والمؤمنات أن يظنوا أول ما سمعوا ذلك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بأهل ملتهم من آحاد المؤمنين والمؤمنات خيرا وقالوا في ذلك الآن هذا إفك مبين
12
- أي ظاهر مكشوف كونه إفكا فكيف بأم المؤمنين حليلة رسول الله صلى الله عليه و سلم بنت المهاجرين رضي الله تعالى عنهما
ويجوز أن يكون المعنى هلا ظن المؤمنين والمؤمنات أول ما سمعوا ذلك خيرا بأهل ملتهم عائشة وصفوان وقالوا الخ لو لا جاؤا عليه بأربعة شهداء إما من تمام القول المحضض عليه مسوقف لتوبيخ السامعين على ترك إلزام الخائضين أي هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ثبوت ما قالوا فإذا لم يأتوا يالشهداء الأربعة وكان الظاهر فإذ لم يأتوا بهم إلا أنه عدل إلى ما في النظم الجليل لزيادة التقرير فأولئك إشارة إلى الخائضين وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد أي فأولئك المفسدون عند الله أي في حكمه وشريعته هم الكاذبون
13
- أي المحكوم عليهم بالكذب شرعا أي بأن خبرهم لم يطابق في الشرع الواقع وقيل : المعنى فأولئك في علم الله تعالى هم الكاذبون الذين لم يطابق خبرهم الواقع في نفس الأمر لأن الآية في خصوص عائشة رضي الله تعالى عنها وخبر أهل الأفك فيها غير مطابق للواقع في نفس الأمر في علمه عز و جل
وتعقب بأن خصوص السبب لا ينافي عموم الحكم مع أن ظاهر التقييد بالظرف يأبى ذلك وجعله من قبيل قوله تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا خلاف الظاهر وأيا ما كان فالحصر للمبالغة وإما كلام مبتدأ مسوق من جهته سبحانه وتعالى تقريرا لكون ذلك إفكا ولو لا فضل الله أي تفضله سبحانه عليكم ورحمته إياكم في الدنيا بفنون النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة و في الآخرة بضروب الآلاء التي من جملتها العفو والمغفرة بعد التوبة وفي الكلام نشر على ترتيب اللف وجوز أن يتعلق في الدنيا والآخرة بكل من فضل الله تعالى ورحمته والمعنى لو لا الفضل العام والرحمة العامة في كلا الدارين لمسكم عاجلا في ما أفضتم فيه أي بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك
والإبهام لتهويل أمره واستهجان ذكره يقال أفاض في الحديث وخاض وهضب واندفع بمعنى والإفاضة في ذلك مستعارة من إفاضة الماء في الإناء و لو لا امتناعية وجوابها لمسكم عذاب عظيم
14

الصفحة 118