كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
فهو تأكيد لدفع المجار وأنت تعلم أن السياق يقتضي الأول وإليه ذهب الزمخشري وكان الظاهر تقولونه بأفواهكم إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل لما لا يخفى وتحسبونه هينا سهلا لا تبعة له : وهو عند الله عظيم
15
- أي والحال أنه عند الله عز و جل أمر عظيم لا يقادر قدره في الوزر واستجرار العذاب والجملتان الفعليتان معطوفتان على جملة تلقونه داخلتان معها في حيز إذ فيكون قد علق مس العذاب العظيم بتلقي الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير روية وفكر وحسبانهم ذلك مما لا يعبأ به وهو عند الله عز و جل عظيم
ولو لا إذ سمعتموه ممن اخترعه أو المتابع له قلتم تكذيبا له وتهويلا لما ارتكبه ما يكون لنا ن نتكلم أي ما يمكننا وما يصدر عنا بوجه التكلم بهذا إشارة إلى القول الذي سمعوه باعتبار شخصه
وجوز أن يكون إشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس المتصفين بافحصان محرم شرعا وجاء عن حذيفة مرفوعا أنه يهدم عمل مائة سنة فضلا عن تعرض الصديقة حرمة رسول الله صلى الله عليه و سلم والكلام في توسيط الظرف على نحو ما مر سبحانك تعجب ممن تفوه به وأصله أن يذكر عند معاينة العجيب من صنائعه تعالى شأنه تنزيها له سبحانه من أن يصعب عليه أمثاله ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه واستعماله فيما ذكر متفرع على الكناية ومثله في استعماله للتعجب لا إله إلا الله والعوام يستعملون الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك المقام أيضا ولم يسمع في لسان الشرع بل قد صرح بعض الفقهاء بالمنع منه
وجوز أن يكون سبحانك هنا مستعملا في حقيقته والمراد تنزيه الله تعالى شأنه من أن يصم نبيه عليه الصلاة و السلام ويشينه فإن فجور الزوجة وصمة في الزوج تنفر عنه القلوب وتمنع عن اتباعه النفوس ولذا صان الله تعالى أزواج الأنبياء عليهم السلام عن ذلك وهذا بخلاف الكفر فإن كفر الزوجة ليس وصمة في الزوج وقد ثبت كفر زوجتي نوح ولوط عليهما السلام كذا قيل وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا ما يتعلق به وعلى هذا يكون سبحانك تقريرا لما قبله وتمهيدا لقوله سبحانه هذا بهتان أي كذب يبهت ويحير سامعه لفظاعته عظيم
16
- لايقدر قدره لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها كثيرا ما يكونان باعتبار متعلقاتها والظاهر أن التوبيخ للسامعين الخائضين لا للسامعين مطلقا فقد روي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها قال : سبحانك هذا بهتان عظيم وعن سعيد بن المسيب أنه قال : كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إذا سمعا شيئا من ذلك قالا ما ذكر أسامة بن زيد بن حارثة وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهما وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : إن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له : يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث به الناس فقال : ما يكون لنا أن نكلم بهذا سبحانك هذا بهتان هظيم ومنشأ هذا الجزم على ما قاله الإمام الرازي العلم بأن زوجة الرسول عليه الصلاة و السلام لا يجوز أن تكون فاجرة وعلل بأن ذلك ينفر عن الإتباع فيخل بحكمة البعث كدناءة الآباء وعهر الأمهات وقد نص العلامة الثاني على أن من شروط النبوة السلامة عن ذلك بل