كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

عن كل ما ينفر عن الإتباع واستشكل ذلك بأنه إذا كان ما ذكر شرطا فكيف علمه من سمعت حتى قالوا ما قالوا وخفى الأمر على رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قال كما في صحيح البخاري وغيره : يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه
وجاء في بعض الروايات يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله تعالى لك وكذا خفى على صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقد أخرج البزاز بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه رأسها فقالت : ألا عذرتني فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم
وأجيب بأن ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوة كالأمانة والصدق بل هو من الشروط الشرعية والعادية كما قال اللقاني فيجوز أن يقال : إنه لم يكن معلوما قبل وإنما علم بعد نزول آيات براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وعدم العلم بمثل ذلك لا يقدح في منصب النبوة وأما دعوى علم من ذكر به فلا دليل عليها وقولهم وذلك يجوز أن يكون ناشئا عن حسن الظن لا عن علم بكون السلامة من المنفر عن الإتباع من شروط النبوة ويشهد لهذا إلى بعض القائلين والظاهر تساويهم ما أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله تعالى عنها قال : بل وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة ياأم أيوب قالت : لا والله فقال : فعائشة رضي الله تعالى عنها واختير منك وأطيب إنما هذا كذب وإفك باطل وروي قريبا منه الحاكم وابن عساكر أيضا عن أفلح مولى أبي أيوب ولعله المعنى ببعض الأنصار في الخبر السابق ولم يقل صلى الله عليه و سلم نحو ذلك لحسن الظن لشدة غيرته عليه الصلاة و السلام والغيور لا يكاد يعول في مثل ذلك على حسن الظن ويمكن أن يكون قولهم ذلك ناشئا عن العلم بكون السلامة من المنفر عن الإتباع من شروط النبوة بأن يكونوا قد تفطنوا لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامة وقد يتفطن العالم لما لا يتفطن له من هو أعلم منه
وجوز أن يدعي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان عالما بعدم جواز فجور نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما فيه من النفرة المخلة بحكمة البعثة لكن أراد عليه الصلاة و السلام أن يظهر أمر براءة الصديقة رضي الله تعالى عنها ظهور الشمس في رابعة النهار بحيث لا يبقى فيه خفاء عند أحد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وما عراه من الهم إنما هو أمر طبيعي حصل بسبب خوض المنافقين ومن تبعهم وشيوع ما لا أصل له من الباطل بين الناس ويحتمل أنه صلى الله عليه و سلم كان عالما بأن السلامة من المنفر من شروط النبوة لكن خشي من الله عز و جل الذي لا يجب عليه شيء أن لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعهم فيه من المنفر بأن لا يرتب سبحانه خلق النفرة في القلوب عليه ليمنع من الإتباع فتختل حكمة البعثة فداخلة عليه الصلاة و السلام من الهم ما داخله وجعل يتتبع الأمر على أتم وجه وما ذلك إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم ونظيره من وجه خوفه عليه الصلاة و السلام من قيام الساعة عند اشتداد الريح لا يستطيع أن ينام ما دام الأمر كذلك حتى تمطر السماء
وقيل : يجوز أن لا يمد فجور الزوجة منفرا إلا إذا أمسكت بعد العلم به فلم يجوز أن يقع فيجب طلاقها

الصفحة 121