كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
وإذا طلقت لا يتحقق المنفر المخل بالحكمة هذا ولا يخفى عليك ما في بعض الإحتمالات من البحث بل بعضها في غاية البعد عن ساحة القبول ولعل الحق أنه عليه الصلاة و السلام قد أخفى عليه أمر الشرطية إلى أن اتضح أمر البراءة ونزلت الآيات فيها لحكمة الإبتلاء وغيره مما الله تعالى أعلم به وأن قول أولئك الأصحاب رضي الله تعالى عنهم : سبحانك هذا بهتان عظيم لم يكن ناشئا إلا عن حسن الظن ولم يتمسك به صلى الله عليه و سلم لأنه لا يحسم القال والقيل ولا يرد به شيء من الأباطيل ولا ينبغي لمن يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن ونسب للشيعة قذف عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله تعالى منه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار وليس في كتبهم المعول عليها عندهم عين منه ولا أثر أصلا وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته صلى الله عليه و سلم وليس له أيضا في كتبهم عين ولا أثر
والظاهر أنه ليس في الفرق الإسلامية من يختلج في قلبه ذلك فضلا عن الإفك الذي برأها الله عز و جل منه
يعظكم الله أي ينصحكم أن تعودوا لمثله أبدا أي كراهة أن تعودوا أو لئلا تعودوا أو يعظكم في العود أي في شأنه وما فيه من الإثم والمضار كما يقال وعظته في الخمر وما فيها من المعار أو يزجركم عن العود على تضمين الوعظ معنى الزجر ويقال عاده وعاد إليه وعاد له وعاد فيه بمعنى والمراد بأبدأ مدة الحياة
إن كنتم مؤمنين
17
- من باب إن كنت أبا لك فلم لا تحسن إلي يتضمن تذكيرهم بالإيمان الذي هو العلة في الترك والتهييج لإبرازه في معرض الشك وفيه طرف من التوبيخ
ويبين الله لكم الآيات أي ينزلها مبينة ظاهرة الدلالة على معانيها والمراد بها الآيات الدالة على الشرائع ومحاسن آداب معاملة المسلمين وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن البيان
والله عليم بأحوال جميع مخلوقاته جلها ودقها حكيم
18
- في جميع أفعاله فأنى يمكن صدق ما قيل في حق حرم من اصطفاه لرسالته وبعثه إلى كافة الخلق ليرشدهم إلى الحق ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا وإظهار الاسم الجليل ههنا لتأكيد استقلال الإعتراض التذييلي والإشعار بعلية الألوهية للعلم والحكمة إن الذين يحبون أي يريدون ويقصدون أن تشيع أن تنتشر الفاحشة أي الخصلة المفرطة في القبح وهي الفرية والرمي بالزنا أو نفس الزنا كما روي عن قتادة والمراد بشيوعها شيوع خبرها في الذين آمنوا متعلق بتشيع أي تشيع فيها بين الناس
وذكر المؤمنين لأنهم العمدة فيهم أو بمضمر هو حال من الفاحشة أي كائنة في حق المؤمنين وفي شأنهم والمراد بهم المحصنون والمحصنات كما روي عن ابن عباس لهم بسبب ذلك عذاب أليم في الدنيا مما يصيبه من البلاء كالشلل والعمى و في الآخرة من عذاب النار ونحوه وترتب ذلك على المحبة ظاهر على ما نقل عن الكرماني من أن أعمال القلب السيئة كالحقد والحسد ومحبة شيوع الفاحشة يؤاخذ العبد إذا وطن نفسه عليها ويعلم من الآية على أتم وجه سوء حال من نزلت الآية فيهم كابن أبي ومن وافقه قلبا وقالبا وأن لهم الحظ