كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

هذه الآية على ما سمعت من المراد من الموصوف بتلك الصفات كفر قاذف أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن لأن الله عز و جل رتب رميهن عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين فقال سبحانه لعتوا أي بسبب رميهم إياهن في الدنيا والآخرة حيف يعلنهم اللاعنون والملائكة في الدارين ولهم مع ما ذكر من اللعن عذاب عظيم
23
- هائل لا يقادر قدره لغاية عظم ما اقترفوه من الجناية
وكذا ذكر سبحانه أحوالا مختصة بأولئك فقال عز و جل : يوم تشهد عليهم الخ ودليل الإختصاص قوله سبحانه ويوم يحشر أعداء الله إلى آخر الآيات الثلاث ومن هنا قيل : إنه لا يجوز أن يراد بالمحصنات الخ المتصفات بالصفات المذكورة أمهات المؤمنين وغيرهن من نساء الأمة لا ريب في أن رمي غير أمهات المؤمنين ليس بكفر والذي ينبغي أن يعول الحكم عليه بكفر من رمي إحدى أمهات المؤمنين بعد نزول الآيات وتبين أنهن طيبات سواء استباح الرمي أم قصد الطعن برسول الله صلى الله عليه و سلم أم لم يستبح ولم يقصد وأما من رمى قبل فالحكم بكفره مطلقا غير ظاهر
والظاهر أنه يحكم بكفره إن كان مستبيحا أو قاصدا الطعن به عليه الصلاة و السلام كابن أبي لعنه الله تعالى فإن ذلك مما يقتضيه إمعان في عداوة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يحكم بكفره إن لم يكن كذلك كحسان ومسطح وحمنة فإن الظاهر أنهم لم يكونوا مستحلين ولا قاصدين الطعن بسيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله أجمعين وإنما قالوا ما قالوا تقليدا فوبخوا على ذلك توبيخا شديدا ومما يدل دلالة واضحة على عدم كفر الرامين قبل الرمي أنه عليه الصلاة و السلام لم يعاملهم معاملة المرتدين بالإجماع وإنما أقام عليهم حد القذف على ما جاء في بعضص الروايات فالآية بناء على القول بخصوص المحصنات وهو الذي تعضده أكثر الروايات إن كانت لبيان حكم من يرمي عائشة أو إحدى أمهات المؤمنين مطلقا بعد تلك القصة كما هو ظاهر الفعل المضارع الواقع صلة الموصول فأمر الوعيد المذكور فيها على القول بأنه مختص بالكفار والمنافقين ظاهر لما سمعت من القول بكفر الرامي لأحدى أمهات المؤمنين بعد مطلقا وإن كانت لبيان حكم من رمى قبل احتاج أمر الوعيد إلى القول بأن المراد بالموصول أناس مخصوصون رموا عائشة رضي الله تعالى عنها استباحة لعرضها وقصدا إلى الطعن برسول الله صلى الله عليه و سلم كابن أبي وإخوانه المنافقين عليهم اللعنة وعلى هذا يكون التعبير بالمضارع لاستحضار الصورة التي هي من أغرب الغرائب أو للإشارة كما قيل إلى أن شأنهم الرمي وأنه يتجدد منهم آنا فآنا وعلى هذا يمكن أن يقال المراد بيان حكم من لم يتب من الرمي فإن التائب من فعل قلما يقال فيه إن شأنه ذلك الفعل فيكون الوعيد مخصوصا بمن لم يتب
والذي تقتضيه الأبار أن كل من وقع في تلك المعصية تاب سوى اللعين ابن أبي وأشياعه من المنافقين وعن ابن عباس أنها نزلت فيه خاصة ولا يخفى وجه الجمع عليه وقيل المراد بيان حكم من رمى والوعيد مشروط بعدم التوبة ولم يذكر للعلم به من القواعد المستقرة إذ الذنب كيفما كان يغفر بالتوبة فلا حاجة إلى أن يقال : المراد إن الذين شأنهم الرمي ليشعر بعدم التوبة والظاهر أن من لم يتب بعد نزول هذه الآيات كافر وليس هو إلا اللعين واختار جمع وقال النحال : هو أحسن ما قيل أن الحكم عام فيمن يرمي الموصوفات بالصفات المذكورة من نساء الأمة ورميهن إن كان مع استحلال فهو كفر فيستحق الوعيد المذكور إن لم يتب على ما علم من القواعد وإن كان بدون استحلال فهو كبيرة وليس بكفر ويحتاج في هذا إلى منع اختصاص تلك العقوبات والأحوال بالكفار والمنافقين أو التزام القول بأن ذلك ثابت للجنس ويكفي فيه ثبوته لبعض أفراده ولا شك أن فيها من يموت كافرا وفي البحر يناسب أن تكون هذه الآية كما قيل نزلت في مشركي مكة كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها وقالوا : خرجت لتفجر قاله أبو حمزة اليماني ويؤيده قوله تعالى يوم تشهد الخ أه
وأنت تعلم أن الأوفق بالسياق والسباق ما عليه الأكثر من نزولها في شأن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وحكم رمي سائر أمهاتهم حكم رميها وكذا حكم رمي سائر أزواج الأنبياء عليهم السلام وكذا أمهاتهم وعندي أن حكم رمي بنات النبي عليه الصلاة و السلام كذلك لا سيما بضعته الطاهرة الكريمة فاطمة الزهراء صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم ولم أر من تعرض لذلك فتدبر وعلم أنه لا خلاف في جواز لعن كافر معين موته على الكفر إن لم يتضمن إيذاء مسلم أو ذمي إذ قلنا باستوائه مع المسلم في حرمة الإيذاء أما إن تضمن ذلك حرم
ومن الحرم لعن أبي طالب على القول بموته كافرا بل هو من أعظم ما يتضمن ما فيه إيذاء من يحرم إيذاؤه ثم أن لعن من يجوز لعنه أنه يعد عبادة إلا إذا تضمن مصلحة شرعية وأما لعن كافر معين حي فالمشهور أنه حرام ومقتضى كلام حجة الإسلام الغزالي أنه كفر لما فيه من سؤال تثبيته على الكفر الذي هو سبب اللعنة وسؤال ذلك كفر ونص الزركشي على ارتضائه حيث قال عقبه : فتفطن لهذه المسئلة فإنها غريبة وحكمها متجه وقد زل فيه جماعة وقال العلامة ابن حجر في ذلك : ينبغي أن يقال إن أراد بلعنه الدعاء عليه بتشديد الأمر أو أطاق لم يكفر وإن أراد سؤال بقائه على الكفر أو الرضا ببقائه عليه كفر : ثم قال : فتدبر ذلك حق التدبر فإنه تفصيل متجه قضت به كلماتهم أه
وكلعن الكافر المعين بالشخص في الحرمة لعن الفاسق كذلك وقال السراج المفيني : بجواز لعن العاصي المعين واحتج على ذلك بحديث الصحيحين إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح وهو ظاهر فيما يدعيه وقول ولده الجلال البلقيني في بحثه معه : يحتمل أن يكون لعن الملائكة لها ليس بالخصوص بل بأن يقولوا : لعن الله من دعاها زوجها إلى فراشه فبات غضبان بعيد جدا ووما يؤيد قول السراج خبر مسلم أنه صلى الله عليه و سلم مر بحمار وسم في وجهه فقال لعن الله من فعل هذا وهو أبعد عن الإحتمال الذي ذكره ولده وقد صح أنه صلى الله عليه و سلم لعن قبائل من العرب بأعيانهم فقال : اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله تعالى ورسوله وفيه نوع تأييد لذلك أيضا لكن قيل : إنه يجوز أن يكون قد علم عليه الصلاة و السلام موتهم أو موت أكثرهم على الكفر فلم يلعن صلى الله عليه و سلم إلا من علم موته عليه ولا يخفى عليك الأحوط في هذا الباب فقد صح من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه وأرى الدعاء للعاصي المعين بالصلاح أحب من لعنه على القول بجوازه وأرى لعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه و سلم بالوصف

الصفحة 127