كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

قاله أكثر المفسرين ويشهد له قوله تعالى في سورة الأحزاب في أمهات المؤمنين واعتدنا لها رزقا كريما فإن المراد ثمت الجنة بقرينة أعتدنا والقرآن يفسر بعضه بعضا وفي هذه الآيات من الدلالة على فضل الصديقة ما فيها ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله عز و جل قد غلظ في شيء اغليظه في الإفك وهو دال على فضلها أيضا وكانت رضي الله تعالى عنها تتحدث بنعمة الله تعالى عليها بنزول ذلك في شأنها
فقد أخرج ابن أبي شيبة عنها أنها قالت : خلال في لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتى الله تعالى مريم ابنة عمران والله ما أقول هذا أني أفتخر على صواحباتي قيل : وما هن قالت : نزل الملك بصورتي وتزوجني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لسبع سنين وأهديت له لتسع سنين وتزوجني بكرا لم يشركه في أحد من الناس وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد وكنت من أحب الناس إليه ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن ورأيت جبريل عليه السلام ولم يره أحد من نسائه غيري وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك وأنا
وأخرج ابن مردوية عنها أنها قالت : لقد نزل عذري من السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب ولقد وعدت مغفرة وأجرا عظيما وفي قوله سبحانه : لهم مغفرة ورزق كريم بناء على شموله عائشة رضي الله تعالى عنها رد على الرافضة القائلين بكفرها وموتها على ذلك وحاشاها لقصة وقعة الجمل مع أشياء افتروها ونسبوها إليها ومما يرد زعم ذلك أيضا قول عمار بن ياسر في خطبته حين بعثه الأمير كرم الله تعالى وجهه مع الحسن رضي الله تعالى عنه يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة : إني لأعلم أنها زوجة نبيكم عليه الصلاة و السلام في الدنيا والآخرة ولكن الله تعالى ابتلاكم ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها ومما يقضي منه العجب ما رأيته في بعض كتب الشيعة من أنها خرجت من أمهات المؤمنين بعد تلك الوقعة لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال للأمير علي كرم الله تعالى وجهه : قد أذنت لك أن تخرج بعد وفاتي من الزوجية من شئت من أزواجي فأخرجها كرم الله تعالى وجهه من ذلك لما صدر منها معه ما صدر ولعمري إن هذا مما يكاد يضحك الثكلى وفي حسن معاملة الأمير كرم الله تعالى وجهه إياها رضي الله تعالى عنها بعد استيلائه على العسكر الذي صحبها الثابت عند الفريقين ما يكذب ذلك ونحن لا نشك في فضلها رضي الله تعالى عنها لهذه الآيات ولما جاء في مدحها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولو لم يكن من ذلك سوى ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام لكني معى هذا لا أقول بأنها أفضل من بضعته صلى الله عليه و سلم الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها والوجه لا يخفى وفي هذا المقام أبحاث تطلب من محلها ثم أن الذي أراه أن إنزال هذه الآيات في أمرها لمزيد الإعتناء بشأن الرسول عليه الصلاة و السلام ولجبر قلب صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه وكذا قلب زوجته أم رومان فقد اعتراهما من ذلك الإفك ما الله تعالى أعلم به ولمزيد انقطاع عائشة رضي الله تعالى عنها إليه عز و جل مع فضلها وطهارتها في نفسها وقد جاء في خبر غريب ذكره ابن النجار في تاريخ بغداد بسنده عن أنس ابن مالك رضي الله تعالى عنه : كنت جالسا عند أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لأقر عينها بالبراءة وهي تبكي فقالت : هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني

الصفحة 132