كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
أأدخل فإذا قالوا : ادخل فادخل
وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد عن ابن عباس قال : استأذن عمر رضي الله تعالى عنه : على النبي صلى الله عليه و سلم فقال : السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر واختار الماوردي التفصيل وهو أنه إن وقعت عين المستأذن على من في البيت قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الإستئذان والظاهر أن الإستئذان بما يدل على طلب الإذن صريحا والمأثور المشهور في ذلك أأدخل كما سمعت وجوز أن يكون بما يفهم منه ذلك مطلقا وجعلوا منه التسبيح والتكبير ونحوهما مما يحصل به إيذان أهل البيت بالجائي فإن إيذانهم دلالة ما على طلب الأذن منهم وحملوا ما تقدم من حديث أبي أيوب وكلام مجاهد على ذلك وهو على ما لاوي عن عطاء واجب على كل محتلم ويكفي فيه المرأة الواحدة على ما يقتضيه ظاهر الآية وأخرج البيهقي في الشعب وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال : كان يقال الإستئذان ثلاثا فمن لم يؤذن له فيهن فليرجع أما الأول فيسمع الحي وأما الثانية فيأخذوا حذرهم وأما الثالثة فإن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا وفي الأمر بالرجوع بعد الثلاث حديث مرفوع أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري
وذكر أبو حيان أنه لا يزيد على الثلاث إلا إن تحقق أن في البيت لم يسمع وظاهر الآية مشروعية الإستئذان إذا أريد الدخول على المحارم وقد أخرج مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم : أأستأذن على أمي قال : نعم قال : ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت قال : أتحب أن تراها عريانة قال الرجل : لا قال : فاستأذن عليها : وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود عليكم أن تستأذنوا أمهاتكم وأخواتكم وهو أيضا على ما يقتضيه بعض الآثار مشروع للنساء إذ أردن دخول بيوت غير بيوتهن : فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أم إياس قالت : كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت : ندخل فقالت : لا فقال واحد : السلام عليكم أندخل قالت : ادخلوا ثم قالت يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم الخ وإذا صح ذلك ففي الآية نوع تغليب ووجه مشروعية الإستئذان لهن نحو وجه مشروعيته للرجال فإن أهل البيت قد يكونون على حال لا يحبون اطلاع النساء كما لا يحبون اطلاع الرجال
وصح من حديث أخرجه الشيخان وغيرهما إنما جعل الإستئذان من أجل النظر ومن هنا لا ينبغي النظر في قعر البيت قبل الإستئذان وقد أخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأذن ويسلم فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم كما أخرج أبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن بشر إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول السلام عليكم وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستورا فاستقبال الباب ربما يفضي إلى النظر وظاهر الآية أيضا مشروعية الإستئذان للأعمى لدخوله في عموم الموصول ووجهها كراهة اطلاعه بواسطة السمع على ما لا يحب أهل البيت اطلاعه عليه من الكلام مثلا
وفي الكشاف إنما شرع الإستئذان لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم