كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة أحد ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط وهو تعليل حسن إلا أنه يحتاج القول بذلك إلى القول بأن قوله عليه الصلاة و السلام إنما جعل الإستئذان من أجل النظر خارج مخرج الغالب
وجيء لمزيد افعتناء لا للحصر وقد صرحوا بمجيء إنما لذلك فلا تغفل ثم أعلم أن الإستئذان والتسليم متغايران لكن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن الإستئذان داخل في التسليم كما أن بعضها يقتضي مغايرته له وعدم دخوله فيه ووجه جعله من التسليم أنه بدونه كالعدم لما أن السنة فيه أن يقرن بالتسليم هذا وفي مصحف عبد الله كما أخرج ابن جرير وغيره عن إبراهيم حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ذلكم إشارة على ما قيل إلى الدخول بالإستئذان والتسليم المفهوم من الكلام وقيل : إشارة إلى المذكور في ضمن الفعلين المغيابهما أي الإستئذان والتسليم خير لكم من الدخول بغتة والدخول على تحية الجاهلية فقد كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول : حييتم صباحا حييتم مساء فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف وخيرية المفضل عليه قيل على زعمهم لما في الأنتظار من المذلة ولعدم تحية الجاهلية حسنة كما هو عادة اليوم في قولهم : صباح الخير ومساء الخير ولعل الأولى أن يقال : إن ذلك من قبيل الخل أحلى من العسل
وجوز أن يكون خير صفة فلا تقدير وقوله تعالى لعلكم تذكرون
27
- تعليل على ما اختاره جمع لمحذوف أي أرشدتم إلى ذلك أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه فإن لم تجدوا فيها أحدا بأن كانت خالية من الأهل فلا تدخلوها واصبروا حتى يؤذن لكم من جهة من يملك الأذن عند وجدانكم إياه ووجه ذلك أن الدخول في البيت الخالية من غير إذن سبب للقيل والقال وفيه تصرف بملك الغير بغير رضاه وهو يشبه الغضب وهذه الآية لبيان حكم البيوت الخالية على أهلها كما أن الآية الأولى لبيان حكم البيوت التي فيها أهلها
وجوز أن تكون هذه تأكيدا لأمر الإستئناس وأنه لا بد منه والأمر دائر عليه والمعنى فإن لم تجدوا فيها أحدا من الآذنين أي ممن يملك الإذن فلا تدخلوها الخ ويفيد هذا حرمة دخول ما فيه من لا يملك الإذن كعبد وصبي من دون إذن من يملكه ومن اختار الأول قال : إن حرمة ما ذكر ثابتة بدلالة النص فتأمل
وقال سبحانه فإن لم تجدوا إلى آخره دون فإن لم يكن فيها أحد لأن المعتبر وجد أنها خالية من الأهل مطلقا أو ممن يملك الإذن سواء كان فيها أحد في الواقع أم لم يكن كذا قيل : وعليه فالمراد من قولهم في تفسير ذلك بأن كانت خالية كونها خالية بحسب الإعتقاد وكذا يقال في نظيره فلا تغفل ثم أن ما أفادته الآيتان من الحكم قد خصه الشرع فيجوز الدخول لإزالة منكر توقفت على الدخول من غير إذن أهل البيت والدخول في البيت الخالي لإصفاء حريق فيه أو نحو ذلك
وقد ذكر الفقهاء الصور التي فيها الدخول من غير إذن ممن يملك الإذن فلتراجع وقيل : المراد بالإذن في قوله سبحانه حتى يؤذن لكم ما يعم الإذن دلالة وشرعا ولذا وقع بصيغة المجهول وحينئذ لا حاجة إلى

الصفحة 136