كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
القول بالتخصيص وفيه خفاء وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع سواء كان الآمر من يملك الإذن أم لا فارجعوا ولا تلحوا هو أي الرجوع أزكى لكم أي أطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الأبواب بعد المذكور من دنس الدناءة والرذالة أو أنفع لدينكم ودنياكم على أن أزكى من الزكاة بمعنى النمو
والظاهر أن صيغة أفعل في الوجهين للمبالغة وقيدنا الوقوف على الأبواب بما سمعت لأن ليس فيه دناءة مطلقا فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال : يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول : هكذا أمرنا أن نطلب العلم وكأنه رضي الله تعالى عنه عد ذلك من التواضع وهو من أقوى أسباب الفتوح لطالب العلم وقد أعطاني الله عز و جل نصيبا وافيا منه فكنت أكثر التلامذة تواضعا وخدمة للمشايخ والحمد لله تعالى على ذلك والله بما تعملون عليم
28
- فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلمتموه فيجازيكم عليه
ليس عليكم جناح أن تدخلوا أي بغير استئذان بيوتا غير مسكونة أي موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل ليتمتع بها من يحتاج إليها كائنا من كان من غير أن يتخذها سكنا كالربط والخانات والحوانيت والحمامات وغيرها فإنها معدة لمصالح الناس كافة كما ينبيء عنه قوله تعالى فيها متاع لكم فإنه صفة للبيوت أو استئناف جار مجرى التعليل لنفي الجناح أي فيها حق تمتع لكم كالإستكنان من الحر والبرد وإيواء الأمتعة والرحال والشراء والبيع والإغتسال وغيرها مما يليق بحال البيوت وداخليها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من داخليها من قبل ولا ممن يتولى أمرها ويقوم بتدبيرها
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه لما نزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا الخ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون من مكة والمدينة والشام وبيت المقدس ولهم بيوت معلومة على الطريق فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها سكان فرخص سبحانه في ذلك فأنزل قوله تعالى ليس عليكم الخ وعنى الصديق رضي الله تعالى عنه بالبيوت المعلومة الخانات التي في الطرق وهي في الآية أعم من ذلك ولا عبرة بخصوص السبب فما روي عن ابن جبير ومحمد بن الحنفية والضحاك وغيرهم من تفسيرها فيها بذلك من باب التمثيل وكذا ما أخرجه جماعة عن عطاء وعبد بن حميد وإبراهيم النخعي أنها البيوت الخربة التي تدخل للتبرز وأما ما روي عن ابن الحنفية من أنها دور مكة فهو من باب التمثيل أيضا لكن صحة ذلك مبنية على القول بأن دور مكة غير مملوكة والناس فيها شركاء وقد علمت ما في المسئلة من الخلاف
وأخرج أبو داود في الناسخ وابن جرير عن ابن عباس أن قوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها قد نسخ بقوله تعالى ليس عليكم جناح الخ واستثنى منه البيوت الغير المسكونة وروي حديث الإستثناء عن عكرمة والحسن وهو الذي يقتضيه ظاهر خبر