كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

مقاتل وإليه دهب الزمخشري وتعقبه أبو حيان بأنه لا يظهر ذلك لأن الآية الأولى في البيوت المملوكة والمسكونة وهذه الآية في البيوت المباحة التي لا اختصاص لها بواحد دون واحد والذي يقتضيه النظر الجليل أن البيوت فيما تقدم أعم من هذه البيوت فيكون ما ذكر تخصيصا لذلك هو المعنى بالإستثناء فتدبر ولا تغفل
والله يعلم ما تبدون وما تكتمون
29
- وعيد لمن يدخل مدخلا من هذه المداخل لفساد أو اطلاع على عورات قل للمؤمنين شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندراجا أوليا وتلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتفويض ما في حيزه من الأوامر والنواهي إليه عليه الصلاة و السلام قيل لأنها تكاليف متعلقة بامور جزئية كثيرة الوقوع حرية بان يكون الآمر بها الومتصدي لتدبيرها حافظا ومهيمنا عليهم وقيل : إن ذلك لما أن بعض المؤمنين جاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كالمستدعي لأن يقول له ما في حيز القول
فقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما على الآخر إلا إعجابا به فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال : والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره أمري فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه و سلم : هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ومفعول القول مقدر و يغضوا جواب لقل لتضمنه معنى الشرط كأنه قيل : إن تقل لهم غضوا يغضوا وفيه إيذان بأنهم لفرط مطاوعتهم لا ينفك فعلهم عن أمره عليه الصلاة و السلام وأنه كالسبب الموجب له وهذا هو المشهور
وجوز أن يكون يغضوا جوابا للأمر المقدر المقول للقول وتعقب بأن الجواب لا بد أن يخالف المجاب إما في الفعل والفاعل نحو ائتني أكرمك أو في الفعل نحو تدخل الجنة أو في الفاعل نحو قم أقم ولا يجوز أن يتوافقا فيه وأيضا الأمر للمواجهة و يغضوا غائب ومثله لا يجوز وقيل عليه : إنه لم لا يجوز أن يكون من قبيل من كانت هجرته الحديث ولا نسلم أنه لا يجاب الأمر بلفظ الغيبة إذا كان محكيا بالقول لجواز التلوين حينئذ وفيه بحث ومن أنصف لا يرى هذا الوجه وجيها وهو على ما فيه خلاف الظاهر جدا وجوز الطبرسي وغيره أن يكون يغضوا مجزوما بلام أمر مقدرة لدلالة قل أي قل لهم ليغضوا والجملة نصب على المفعولية المقول وغض البصر إطباق الجفن على الجفن و من قيل صلة وسيبويه يأبى ذلك في مثل هذا الكلام والجواز مذهب الأخفش وقال ابن عطية : يصح أن تكون من لبيان الجنس ويصح أن تكون لابتداء الغاية وتعقبه بأنه لم يتقدم مبهم لتكون من لبيان الجنس على أن الصحيح أنها ليس من موضوعاتها أن تكون لبيان الجنس انتهى والجل على أنها هنا تبعيضية والمراد غض البصر عما يحرم والإقتصار به على ما يحل وجعل الغض عن بعض المبصر غض بعض البصر وفيه كما في الكشف كناية حسنة ثم أن غض البصر عما يحرم النظر إليه واجب ونظرة الفجأة التي لا تعمد فيها معفو عنها فقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

الصفحة 138