كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
فليكونوا على حذر منه عز و جل في كل ما يأتون وما يذرون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه كالعورات من الرجال والنساء وهي ما بين السرة والركبة وفي الزواجر لابن حجر المكي يحرم نظر الرجل للمرأة يحرم نظرها إليه ولو بلا شهوة ولا خوف فتنة نعم إن كان بينهما محرمية نسب أو رضاع أو مصاهرة نظر كل إلى ما عدا ما بين سرة الآخر وركبته والمذكور في بعض كتب الأصحاب إن كان نظرها إلى ما عدا ما بين السرة والركبة بشهوة حرم وإن بدونها لا يحرك نعم غضها بصرها من الأجانب أصلا أولى بها وأحسن فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه النسائي والبيهقي في سننه عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وميمونة قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه عليه الصلاة و السلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : احتجبا منه فقلت : يا رسول الله هو أعمى لا يبصر قال : أفعميا وإن أنتما ألستما تبصرانه واستدل به من قال بحرمة نظر المرأة إلى شيء من الرجل الأجنبي مطلقا ولا يبعد القول بحرمة نظر المرأة المرأة إلى ما عدا ما بين السرة والركبة إذا كان بشهوة ولا تستبعد وقوع هذا النظر فإنه كثير ممن يستعملن السحاق من النساء والعياذ بالله تعالى ويحفظن فروجهن أي عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق أو من الإبداء أو مما يعم ذلك والإبداء ولا يبدين زينتهن أي ما يتزين به من الحلي ونحوه إلا ما ظهر منها أي إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا مؤاخذة في إبدائه للأجانب وإنما المؤاخذة في إبداء ما خفي من الزينة كالسوار الخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط
وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لمن استثنى في الآية بعد وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن فنهي عن إبداء الزين نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها كالنظر إلى سوار امرأة يباع في السوق لا مقال في حله كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة شاهدا على أن الساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله تعالى في الكشف عنها كذا في الكشاف وهو على ما قال الطيبي مشعر بأن ما ذكر من باب الكناية على نحو قولهم : فلان طاهر الجيب طاهر الذيل
وقال صاحب الفرائد : هو من باب إطلاق اسم الحال على المحل فالمراد بالزينة مواقعها فيكون حرمة النظر إلى المواقع بعبارة النص بدلالته وهي أقوى وفيه بحث
وقيل : الكلام على تقدير مضاف أي لا يبدين مواقع زينتهن وقال ابن المنير : الزينة على حقيقتها وما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله عز و جل : ولا يضربن بأرجلهن الآية يحقق أن إبداء الزينة مقصود بالنهي وأيضا لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزين الظاهرة وهذا باطل لأن كل بدن عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة وأنت تعلم أن ابن المنير مالكي وما ذكره مبني على مذهبه وما ذكره الزمخشري مبني على المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة من أن مواقع الزين الظاهرة من الوجه والكفين والقدمين ليست بعورة