كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
مطلقا فلا يحرم النظر إليها وقد أخرج أبو داود وابن مردوية والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يااسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وإشار إلى وجهه وكفه صلى الله تعالى عليه وسلم وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : إلا ما ظهر منها رقعة الوجه وباطن الكف وأخرجا عن ابن عمر أنه قال : الوجه والكفان ولعل القدمين عندهما كالكفين إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة فإن الحرج في سترهما أشد من ستر الكفين لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في الزواجر أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة وفي المنهاج وشرحه لابن حجر في باب شروط الصلاة عورة الأمة ولو مبعضة ومكاتبة وأم ولد كعورة الرجل ما بين السرة والركبة في الأصح وعورة الحرة ولو غير مميزة والخنثى الحر ما سوى الوجه والكفين وإنما حرم نظرهما كالزائد على عورة الأمة لأن ذلك مظنة الفتنة ويجب في الخلوة ستر سوأة الأمة كالرجل وما بين سرة وركبة الحرة فقط إلا لأدنى غرض كتبريد وخشية غبار على ثوب تجمل انتهى
وذكر في الزواجر حرمة نظر سائر ما انفصل من المرأة لأن رؤية البعض ربما جر إلى رؤية الكل فكان اللائق حرمة نظره أيضا بل قال : حرم أئمتنا النظر لقلامة ظغر المرأة المنفصلة ولو من يدها وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة وليس بمعول عليه عندهم وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة ما سواهما وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة وأنت تعلم أن إباحة إبداء الوجه والكفين حسبما تقتضيه الآية عندهم مع القول بحرمة النظر إليهما مطلقا في غاية البعد فتأمل واعلم أنه إذا كان المراد النهي عن إبداء مواقع الزينة وقيل : بعمومها الوجه والكفين والتزم القول بكونهما عورة وحرمة إبدائهما لغير من استثنى بعد أن يجور أن يكون الإستثناء في قوله تعالى : إلا ما ظهر منها من الحكم الثابت بطريق الإشارة وهو المؤاخذة في دار الجزاء ويكون المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كان كشفته الريح مثلا فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة شهادة ومعالجة طبيب وروري الطبراني والحاكم وصححه وابن المنذر وجمع آخرون عن ابن مسعود أن ما ظهر الثياب والجلباب وفي رواية الإقتصار على الثياب وعليها اقتصر أيضا الإمام أحمد وقد جاء إطلاق الزينة عليها في قوله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد على ما في البحر وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس أن ما ظهر الكحل والخاتم والقرط والقرادة
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه الكف وثغرة النحر وعن الحسن أنه الخاتم والسوار وروي غير ذلك ولا يخفى أن بعض الأخبار ظاهر في حمل الزينة على المعنى المتبادر منها وبعضها ظاهر في حملها على مواقعها وقال ابن بحر : الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس والمراد في الآية عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة قال في البحر : والأقرب دخولها