كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

ذلك الجوهري وكذا قال بعض النحاة : إنه في الأصل مصدر فيقع على القليل والكثير والأمر على هذا ظاهر جدا والعورات جمع عورة وهي في الأصل ما يحترز من الإطلاع عليه وغلبت في سوأة الرجل والمرأة ولغة أكثر العرب تسكين الواو في الجمع وهي قراءة الجمهور
وروي عن ابن عامر أنه قرأ عورات بفتح الواو والمشهور أن تحريك الواو وكذا الياء في مثل هذا الجمع لغة هذيل بن مدركة ونقل ابن خالويه في كتاب شواذ القراآت أن ابن أبي إسحاق والأعمش قرأا عورات بالفتح ثم قال : وسمعنا ابن مجاهد يقول : هو لحن وإنما جعله لحنا وحظا من قبل الرواية وإلا فله مذهب في العربية فإن بني تميم يقولون : روضات وجوزات وعورات بالفتح فيها وسائر العرب بالإسكان وقال الفراء : العرب على تخفيف ذلك إلا هذيلا فتثقل ما كان من هذا النوع من ذوات الياء والواو وأنشدني بعضهم : أبو بيضات رائح متأدب رفيع بمسح المنكبين سبوح ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين أي ما يسترنه عن الرؤية من زينتهن أي لا يضربن بأرجلهن الأرض ليتقعقع خلاخلهن فيلعم أن هن ذوات خلاخل فإن ذلك ما يورث الرجال ميلا إليهن ويوهم أن لهن ميلا إليهم أخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتخذت خلخالا من فضة واتخذت جزعا فمرت على قوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فأنزل الله تعالى ولا يضربن إلخ والنساء اليوم على جعل الخرز ونحوها في جوف الخلخال فإذا مشين به ولو هونا صوت ولهن من أنواع الحلي غير الخلخال ما يصوت عند المشي أيضا لا سيما إذا كان مع ضرب الرجل وشدة الوطء ومن الناس من يحرك شهوته وسوسة الحلي أكثر من رؤيته وفي النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينه من النهي عن إبداء مواضعه ما لا يخفى وربما يستدل بهذا النهي على النهي عن استماع صوتهن
والمذكور في معتبرات كتب الشافعية وإليه أميل أن صوتهن ليس بعورة فلا يحرم سماعه إلا إن خشي منه فتنة وكذا إن التذبه كما بحثه الزركشي وأما عند الحنفية فقال الإمام ابن الهمام : صرح في النوازل أن نغمة المرأة عورة ولذا قال النبي صلى الله عليه و سلم التكبير للرجال والتصفيق للنساء فلا يحسن أن يسمعها الرجل أه
ثم أعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ضيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك ومثله ما عمت به البلوى أيضا من عدم احتجاب أكثر النساء من إخوان بعولتهن وعدم مبالاة بعولتهن بذلك وكثيرا ما يأمرونهن به
وقد تحتجب المرأة منهم بعد الدخول أياما إلى أن يعطوها شيئا من الحلي ونحوه فتبدو لهم ولا تحتجب منهم بعد وكل ذلك مما لم يأذن به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم وأمثال ذلك كثير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وتوبوا إلى الله جميعا تلوين للخطاب وصرف له عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الكل بطريق التغليب لإبراز كمال العناية بما في حيزه من أمر التوبة وأنها من معظمات المهمات الحقيقية بأن يكون سبحانه وتعالى الآمر

الصفحة 146