كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
يحصل له منهم الإعانة بحسب مصاهرته إياهم ولا يوجد ذلك في العزب ويشارك هذا الفقير المتزوج الفقير الذي هو بصدد التزويج بمزيد الإهتمام في الكسب لكن هذا الإهتمام لتحصيل ما يتزوج به وربما يكون لذلك ولتحصيل ما يحسن به حاله بعد التزويج ولا يخفى أن حال الإمرأة المتزوجة وحال الإمرأة التي بصدد التزويج على نحو حال الرجل والفرق يسير
هذا والظاهر من كلام بعضهم أن ما ذكر في الأيامي والصالحين مطلقا وأمر تذكير الضمير ظاهر وقيل : هو في الأحرار والحرائر خاصة وبذلك صرح الطبرسي لأن الأرقاء لا يملكون وإن ملكوا ولذا لا يرثون ولا يورثون والمتبادر من الإغناء بالفضل ما به يحصل الغنى ويدفع الحاجة وهو لا يتحقق مع بقاء الرق نعم أريد بالإغناء التوسعة ودفع الحاجة سواء كان ذلك بما يملك أم لا فلا بأس بالعموم فتدبر
وجوز أن تكون الآية في الأحرار خاصة بأن يكون المراد منها نهي الأولياء عن التعلل بفقرهم إذا استنكحوهم وأن تكون في المستنكحين من الرجال مطلقا والمراد نهي الأولياء عن ذلك أيضا فتدبر جميع ذلك
واحتج بعضهم كما قال ابن الفرس بالآية على أن النكاح لا يفسخ بالعجز عن النفقة لأن سبحانه وعد فيها بالغنى وفيه مناقشة لا تخفى وليستعفف إرشاد للتائقين العاجزين عن مبادي النكاح وأسبابه إلى ما هو أولى لهم وأحرى بهم أي وليجتهد في العفة وصون النفس الذين لا يجدون نكاحا أي أسباب نكاح أو لا يتمكنون مما ينكح به من المال على أن فعالا اسم آلة كركب لما يركب به حتى يغنيهم الله من فضله عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى ولطف بهم في استعفافهم وربط على قلوبهم وإيذان بأن فضله تعالى أولى بالأعفاء وأدنى من الصلحاء
واستدل بالآية بعض الشافعية على ندب ترك النكاح لمن لا يملك أهبته مع التوقان وكثير من الناس ذهب إلى استحبابه الآية إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وحملوا الأمر بالإستعفاف في هذه الآية على من لم يجد زوجة يجعل فعال صفة بمعنى مفعول ككتاب بمعنى مكتوب ولا يخفى أن الغاية المذكورة تبعده ولا يلزم من الفقر وجدان الأهبة المفسرة عندهم بالمهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه والمذكور في معتبرات كتبنا أن النكاح يكون واجبا عند التوقان أي شدة الإشتياق بحيث يخاف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج وكذا فيما يظهر لو كان لا يمكنه منع نفسه عن النظر المحرم أو عن الإستمناء بالكف ويكون فرضا بأن كان لا يمكنه الإحتراز عن الزنا إلا به بأن لم يقدر على التسري أو الصوم الكاسر للشهوة كما يدل عليه حديث ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء فلو قدر شيء من ذلك لم يبق النكاح فرضا أو واجبا عينا بل هو أو غيره مما يمنعه من الوقوع في المحرم وكلا القسمين مشروط بملك المهر والنفقة وزاد في البحر شرطا آخر فيهما وهو عدم خوف الجور ثم قال : فإن تعارض خوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج وخوف الجور لو تزوج قدم الثاني ويكره التزوج حينئذ كما أفاده الكمال في الفتح ولعله لأن الجور معصية متعلقة بالعباد دون المنع من الزنا وحق العبد مقسم عند التعارض لاحتياجه وغنى المولى عز و جل انتهى ومقتضاه الكراهة أيضا عند عدم ملك المهر والنفقة لأنهما حق عبد أيضا وإن خلف الزنا لكن ذكروا أنه يندب استدانة المهر ومقتضاه أنه يجب إذا خاف الزنا وإن لم يملك المهر إذا قدر على استدانته وهذا مناف للإشتراط السابق إلا أن يقال :