كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

ومثلا من الذين خلوا من قبلكم عطف على آيات أي وأنزلنا مثلا كائنا من قبيل أمثال الذين مضوا من قبلكم من القصص العجيبة والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء عليهم السلام فينتظم قصة عائشة رضي الله تعالى عنها المحاكية لقصة يوسف عليه السلام وقصة مريم رضي الله تعالى عنها حيث أسند إليهما مثل ما أسند إلى عائشة من الإفك فبرأهما الله تعالى منه وسائر الأمثال الواردة في هذه السورة الكريمة انتظاما أوليا وهذا أوفق بتعقيب الكلام بما سيأتي إن شاء الله تعالى من التمثيلات من تخصيص الآيات بالسوابق وحمل المثل على القصة العجيبة فقط وموعظة تتعظون بها وتنزجرون عما لا ينبغي من المحرمات والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب فهي عبارة عما سبق من الآيات والمثل لظهور كونها من المواعظ بالمعنى المذكور ويكفي في العطف التغاير العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي وقد خصت الآيات بما يبين الحدود والأحكام والموعظة بما يتعظ به كقوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله وقوله سبحانه لو لا إذ سمعتموه الخ وغير ذلك من الآيات الواردة في شأن الآداب وقيدت الموعظة بقوله سبحانه للمتقين
34
- مع شمولها للكل حسب شمول الإنزال حثا للمخاطبين على الإغتنام بالإنتظام في سلك المتقين ببيان أنهم المغتنمون لآثارها المقتبسون من أنوارها فحسب وقيل : المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة جميع ما في القرآن المجيد من الآيات والأمثال والمواعظ الله نور السماوات والأرض النور في اللغة على ما قال ابن السكيت الضياء وهذا ظاهر في عدم الفرق بين النور والضياء وفرق بينهما جمع وإن كان إطلاق أحدهما على الآخر شائعا فقال الإمام السهيلي في الروض في قول ورقة : ويظهر في البلاد ضياء نور
يقيم به البرية أن يموجا إنه يوضح معنى النور والضياء وإن الضياء هو المنتشر عن النور والنور هو الأصل وفي التنزيل فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا لأن نور القمر لا ينتشر عنه ما ينتشر عن الشمس لا سيما في طرفي الشهر وقال الفلاسفة : الضياء ما يكون للشيء من ذاته والنور ما يفيض عليه من مقابلة المضيء وعلى هذا جاء فيما زعم إسلاميوهم قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا فإن اختلاف تشكلات القمر بالقرب والبعد من الشمس مع خسوفه وقت حيلولة الأرض بينه وبينها دليل على أن نوره فائض عليه من مقابلتها وأنت تعلم أن في هذا مقالا لعلماء تلإسلام وقد قدمنا ما فيه في غير هذا المقام ولعل الأولى في وجه الفرق ما تقدم آنفا في كلام السهيلي
وذكر بعض المحققين أنه يعلم من كلامهم أن لكل من النور والضياء جهة أبلغية فجهة أبلغية النور كونه أصلا ومبدأ للضياء وجهة أبلغية الضياء أن الإبصار بالفعل بمدخليته وادعى بعضهم أن النور على الإطلاق أبلغ من الضياء للآية التي نحن فيها وفيه بحث يعلم أن الله تعالى أثناء تفسيرها وأعلم أن الفلاسفة اختلفوا في حقيقة النور فمنهم من زعم أنه أجسام صغار تنفصل عن المضيء وتتصل بالمستضيء وأبطل بعدة أوجه الأول أنه لو كان جسما متحركا لكانت حركته طبيعية والحركة الطبيعية إلى جهة واحدة دون سائر الجهات لكن

الصفحة 160