كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

النور يقع على الجسم في كل جهة كانت له والثاني أنه إذا دخل من كوة تم سددناها دفعة فتلك الأجزاء النورانية إما أن تمون باقية في البيت فيلزم أن يكون البيت مستنيرا كما كان قبل السد وليس كذلك وإما أن تكون خارجة من الكوة قبل انسدادها وهو محال لأن السد كان سبب انقطاعها فلا بد أن يكون سابقا عليه بالذات أو بالزمان وإما أن تكون غير باقية أصلا فيلزم أن يكون تخلل جسم بين جسمين موجبا انعدام أحدهما وهو معلوم الفساد والثالث أن كون تلك الأجسام الصغار أنوارا إما أن يكون هو عين كونها أجساما وهو باطل لأن المفهوم من النورية مغاير المفهوم من الجسمية وإما أن يكون مغايرا لها بأن تكون تلك الجسام حاملة لتلك الكيفية منفصلة من المضيء متصلة بالمستضيء فإن لم تكن تلك الأجسام محسوسة فهو ظاهر البطلان لأنها حينئذ كيف تكون واسطة لإحساس غيرها وإن كانت محسوسة كانت ساترة لما وراءها ويجب أنها كلما ازدادت اجتماعا ازدادت سترا لكن الأمر بالعكس فإن النور كلما ازداد قوة ازداد إظهارا والرابع أن الشمس إذ طلعت من الأفق يستنير وجه الأرض كله دفعة ومن البعيد أن تنتقل تلك الأجزاء من الفلك الرابع إلى وجه الأرض في تلك اللحظة اللطيفة ولا يخفى حاله على القول باستحالة الخرق على الإفلاك والخامس أن انفصال الأجزاء من الأجرام الكوكبية يستلزم الذبول والإنتقاض وخلو مواضعها عن تمام مقدارها أو مقدار أجزائها أو كونها دائمة التحليل مع إيراد البدل عما يتحلل عن جرمها فتكون أجسامها أجساما مستحيلة غذائية كائنة فاسدة وذلك محال في الفلكيات
وتعقبها بعض متأخريهم بأنها في غاية الضعف أما الأول فلأن كون النور جسما لا يستلزم كونه متحركا ولا كون حدوثه بالحركة بل هو مما يوجد دفعة بلا حركة وأما الثاني فلقائل أن يقول : إن قيام المجعول بلا مادة إنما يكون بالفاعل الجاعل إياه مع اشتراط عدم الحجاب المانع عن الإفاضة فإذا طرأ المانع لم تقع الإفاضة فينعدم المفاض بلا مادة باقية عنه لأن وجوده لم يكن بشركة المادة فكذا عدمه فعند انسداد الباب المانع عن الإفاضة ينعدم الشعاع عن البيت دفعة ولا فرق في ذلك بين كونه عرضا أو جوهرا والسر فيهما جميعا أن النور مطلقا ليس حصوله من جهة انفعال المادة وشركة الهيولي كسائر الجواهر والأغراض الإنفعالية ولذلك لا ينعدم شيء منها دفعة لو فرض حجاب بينها وبين المبدأ الفاعلي إلا بعد زمان واستحالة وأما الذي ذكر فجوابه أن المغايرة في المفهوم لا تنافي الإتحاد والعينية في الوجود فما ذكر مغالطة من باب الإشتباه بين مفهوم الشيء وحقيقته وأما المذكور رابعا وخامسا فلأن مبناه على الإنفصال والقطع للمسافة لا على مجرد الجوهرية والجسمية
هذا وذهب بعضهم إلى أنه عرض من الكيفيات المحسوسة وقالوا : هو غني عن التعريف كسائر المحسوسات وتعريفه بأنه كمال أول للشفاف من حيث أنه شفاف أو بأنه كيفية لا يتوقف الإبصار بها على الإبصار بشيء آخر تعريف بما هو أخفى وكأن المراد به التنبيه على بعض خواصه ومن هؤلاء من قال : إنه نفس ظهور اللون ومنهم من قال بمغايرتهما واستدلوا بأوجه الأول أن ظهور اللون إشارة إلى تجدد أمر فهو إما اللون أو صفة نسبية أو غير نسبية والأول باطل لأن النور إما أن يجعل عبارة عن تجدد اللون أو اللون المتجدد والأول يقتضي أن لا يكون مستنيرا إلا غي آن تجدده والثاني يوجب كون الضوء نفس اللون فلا يبقى لقولهم : الضوء هو ظهور اللون معنى وإن جعلوا اللضوء كيفية ثبوتية زائدة على ذات اللون وسموه

الصفحة 161