كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
والتنزيلية الدالة على وجوده ووحدانيته وسائر صفاته عز و جل والهادية إلى صلاح المعاش والعاد والجملة استئناف مسوق إما لتحقيق أن بيانه تعالى المؤذن به قوله سبحانه ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات الآية ليس مقصورا على ما ورد في هذه السورة الكريمة وإما لتقرير ما في القرآن الجليل من البيان ولا يتأتى نحو هذا على بعض الأقوال السابقة في بيان المراد بالنور وهو وجه قوي في مناسبة الآية لما قبلها ولا يكاد يظهر مثله بعض آخر منها وذكر العلامة الطيبي في بيان المناسبة كلاما في الغث والسمين إن أردته فارجع إليه
وتخصيص السماوات والأرض بالذكر لأنهما المقر المعروف للمكلفين المحتاجين لما يدلهما ويهديهما لما سبق
وقال العلامة البيضاوي بعد ذكر عدة احتمالات في المراد بالغر : إن إضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما وقيل المراد بهما العالم كله كإطلاق المهاجرين والأنصار على جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم
وتعقب بأن هذا إطلاق اسم البعض على الكل مجازا وقد اشترط في التلويح أن يكون الكل مركبا تركيبا حقيقيا ولم يثبت في اللغة إطلاق الأرض على مجموع الأرض والسماء والإنسار على الآدمي والسبع
وأجيب بأنه لا يتعين كونه مجازا لجواز كونه كناية ولو سلم فما في التلويح غير مسلم أو هو أغلبي فقد ذكر الزمخشري في قوله تعالى : لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أنه عبر عن جميع العالم بالسماء والأرض قال العلامة في شرحه : إنه من إطلاق الجزء على الكل فالمعنى حينئذ الله نور العالم كله مثل نوره أي أدلته سبحانه العقلية والسمعية في السماوات والأرض التي هدي بها شاء إلى ما فيه صلاحه وحكى هذا عن أبي مسلم وينتظم ذلك القرآن انتظاما أوليا وعن ابن عباس والحسن وزيد بن أسلم أن المراد بالنور هنا القرآن كما يعرب عنه ما قبل من وصف آياته بالإنزال والتبيين وقد صرح بكونه نورا أيضا في قوله تعالى : وأنزلنا إليكم نورا مبينا وقيل المراد به الحق فقد جاء استعارة النور له كاستعارة الظلمة للباطل في قوله سبحانه الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور أي من أنوار الباطل إلى الحق ووجه الشبه الظهور ومن أمثالهم الحق أبلج ويكفي ذلك في جواز الإستعارة ولا تتوقف على تحقق ما في النور من معنى الإظهار في الحق نعم إذا تحقق ذلك أيضا فهو نور على نور لكن رجح ضعف تفسيره بما ذكر دون القرآن بأنه يأباه مقام بيان شأن الآيات ووصفها بما ذكر من التبيين مع عدم سبق ذكر الحق
وفي الكشف المراد بالحق الذي فسر النور به ما يقابل الباطل وهو يتناول التوحيد والشرائع وما دل عليه بدليل السمع والعقل وليس المراد به كون السماوات والأرض دليلين على وجود فاطرهما بل ذلك أيضا داخل في عموم اللفظ انتهى ويضعف عليه أمر هذا التضعيف وقيل المراد به الهدى الذي دل عليه الآيات المبينات وقيل : الهدى مطلقا فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال : مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن وأخرج ابن جرير عن أنس قال : إن إلهي يقول نوري هداي وذكر بعضهم أن تفسيره بالهدى مختار الأكثرين وأن تفسيره بالحق بالمعنى العام يوافقه وقيل : المراد به المعارف والعلوم التي أفاضها عز و جل على قلب المؤمن وإضافة ذلك إليه سبحانه لأنه مفاضه تعالى وعن أبي بن كعب والضحاك تفسيره بالإيمان الذي أعطاه سبحانه المؤمن ووفقه إليه