كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس تفسيره بالطاعات التي حلي بها جل شأنه قلب المؤمن فيشمل الإيمان وسائر الأعمال القلبية الحميدة وقيل المراد بنوره رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم وقد جاء إطلاق النور عليه عليه الصلاة و السلام في قوله تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين على قول وقيل : غير ذلك مما ستعلمه إن شاء الله تعالى والضمير على جميع هذه الأقوال راجع إليه تعالى كما هو الظاهر
وجوز رجوع الضمير إلى المؤمن وروي ذلك عن عكرمة وهو إحدى الروايات وصححها الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وروي أيضا عن أبي بن كعب بل أخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن الشعبي أنه قال قرأ أبي بن كعب مثل نور المؤمن وأخرج أبو سعيد وابن المنذر عن أبي العالية أن أبيا قرأ مثل نور من آمن به أو قال : مثل من آمن به
وفي البحر روي عن أبي أنه قرأ مثل نور المؤمنين وقيل : الضمير راجع إلى محمد صلى الله عليه و سلم وروي ذلك جماعة عن ابن عباس عن كعب الأحبار وحكاه أبو حيان عن ابن جبير أيضا وقيل : هو راجع إلى القرآن وقيل : إللا الإيمان ولا يخفى أن رجوع الضمير إلى غير مذكور في الكلام إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه أو كان لكن كانت دلالته عليه خفية خلاف الظاهر جدا لا سيما إذا فات المقصود من الكلام على ذلك والمراد بالمثل الصفة العجيبة أي صفة نوره سبحانه العجيبة الشأن كمشكاة أي كصفتها في الإنارة والتنوير وقال أبو حيان : أي كنور مشكاة وهي الكوة فير النافذة كما قال ابن عباس وأبو مالك وابن جبير وسعيد بن عياض والجمهور وقال أبو موسى : هي الحديدة أو الرصاصة التي تكون فيها الفتيلة في جوف الزجاجة وعن مجاهد أنها الحديدة التي يعلق بها القنديل وهو كما ترى والمعول عليه قول الجمهور وعن ابن عطية أنه أصح الأقوال وعلى جميعها هو لفظ حبشي معرب كما قال ابن قتيبة والكلبي وغيرهما وقيل : رومي معرب وقال الزجاج كما في مجمع البيان : يجوز أن يكون عربيا فيكون مفعلة والأصل مشكوة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وإلى أن أصل ألفها الواو ذهب ابن جني واستدل عليه بأن العرب قد نحوا بها منحاة الواو كما فعلوا بالصلاة
وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإمالة فيها مصباح سراج ضخم ثاقب وقيل الفتيلة المشتعلة المصباح في زجاجة في قنديل من الزجاج الصافي الأزهر وضم الزاي لغة الحجاز وكشرها وفتحها لغة قيس بالفتح قرأ أبو رجاء ونصر بن عاصر في رواية ابن مجاهد
وقرأ بعضهم بالكسر أيضا وكذا قريء بهما في قوله تعالى الزجاجة كأنها كوكب دري مضيء متلأليء كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدر فوزنه فعلى وجوز أن يكون أصله دريء بهمزة آخره كما قرأ به حمزة وأبو بكر فقلبت ياء وأدغمت في الياء فوزنه فعيل وهو من الدرء بمعنى الدفع فإنه يدفع الظلام بضوئه أو يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه وجوز أن يكون من الدرء بمعنى الجري وليس بذاك ومثله ما قيل إنه من درأ إذا طلع بغتة وفاجأ ولا يخفى على المتتبع أن فعيلا قليل في كلامهم ففي اللباب فعيل غريب لا نظير له مريق لحب العصفر أو ما سمن من الخيل وعلية وسرية وذرية قاله أبو علي وفي البحر سمع أيضا مريخ للذي في داخل القرن اليابس وفيه لغتان ضم الميم وكسرها وقال الفراء : لم يسمع إلا مريق وهو أعجمي

الصفحة 166