كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الأعصار وقيل هذه إشارة إلى الأمم الماضية للرسل والمعنى إن هذه جماعتكم جماعة واحدة متعفقة على الإيمان والتوحيد في العبادة وأنا ربكم أي من غير أن يكون لي شريك في الربوبية وهذه الجملة عطف على جملة إن هذه الخ المعطوفة على ما تقدم وهما داخلان في حيز التعليل للعمل الصالح لأن الظاهر أن قوله سبحانه إني بما تعملون عليم تعليل لذلك ولعل المراد بالعمل الصالح ما يشمل العقائد الحقة والأعمال الصحيحة واقتضاء المجازاة الربوبية لذلك ظاهر وأما اقتضاء اتحاد الشريعة في الأصول التي لا تتبدل لذلك فباعتبار أنه دليل على حقية العقائد وحقيتها تقتضي الإتيان بها والإتيان بها يقتضي الإتيان بغيرها من الأعمال الصالحة بل قيل لا يصح الإعتقاد مع ترك العمل وعلى هذا يكون قوله تعالى : فاتقون
52
- كالتصريح بالنتيجة فيكون الكلام نظير قولك : العالم حادث لأنه متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث
وفي إرشاد العقل السليم أن ضمير الخطاب في قوله تعالى : ربكم وفي قوله سبحانه : فاتقون للرسل والأمم جميعا على أن الأمر في حق الرسل للتهييج والإلهاب وفي حق الأمة للتحذير والإيجاب والفاء لترتيب الأمر أو وجوب الإمتثال به على ما قبله من اختصاص الربوبية به سبحانه واتحاد الأمة فإن كلا منهما موجب للإتقاء حتما والمعنى فاتقون في شق العصا والمخالفة بالإخلال بموجب ما ذكر
وقرأ الحرميان وأبو عمرو وأن بفتح الهمزة وتشديد النون وخرج على تقدير حرف الجر أي ولأن هذه الخر والجار والمجرور متعلق باتقون قال الخفاجي : والكلام في الفاء الداخلة عليه كالكلام في فاء قوله تعالى : فإياي فارهبون وهي للسببية وللعطف على ما قبله وهو اعملوا والمعنى اتقوني لأن العقول متفقة على ربوبيتي والعقائد الحقة الموجبة للتقوى انتهى ولا يخلو عن شيء وجوز أن تكون إن هذه الخ على هذه القراءة معطوفا على ما تعملون والمعنى أني عليم بما تعملون وبأن هذه أمتكم أمة واحدة الخ فهو داخل في حيز المعلوم وضعف بأنه لا جزالة في المعنى عليه وقيل : هو معمول لفعل محذوف أي واعلموا أن هذه أمتكم الخ وهذا المحذوف معطوف على اعملوا ولا يخفى أن هذا التقدير خلاف الظاهر
وقرأ ابن عامر وأن بفتح الهمزة وتخفيف النون على أنها المخففة من الثقيلة ويعلم توجيه الفتح مما ذكرنا
فتقطعوا أمرهم الضمير لما دل عليه الأمة من أربابها إن كانت بمعنى الملة أو لها إن كانت بمعنى الجماعة وجوز أن يراد بالأمة أولا الملة وعند عود الضمير عليها الجماعة على أن ذلك من باب الإستخدام والمراد حكاية ما ظهر من أمم الرسل عليهم السلام من مخالفة الأمر والفاء لترتيب عصيانهم على الأمر لزيادة تقبيح حالهم وتقطع بمعنى قطع كتقدم بمعنى قدم والمراد بأمرهم أمر دينهم إما على تقدير مضاف أو على جعل الإضافة عهدية أي قطعوا أمر دينهم وجعلوه أديانا مختلفة مع اتحاده وجوز أن يراد بالتقطع التفرق و أمرهم منصوب بنزع الخافض أي فتفرقوا أو تحزبوا في أمرهم ويجوز أن يكون أمرهم على هذا نصبا على التمييز عند الكوفيين المجوزين تعريف التمييز بينهم زبرا أي قطعا جمع زبور بمعنى فرقة ويؤيده
أنه قريء زبرا بضم الزاي وفتح الباء فإنه مشهور ثابت في جمع زبرة بمعنى قطعة وهو حال من أمرهم أو من واو تقطعوا أو مفعول ثان له فإنه مضمن معنى جعلوا وقيل : هو جمع زبور بمعنى كتاب من زبرت بمعنى كتبت وهو مفعول ثان لتقطعوا المضمن معنى الجعل أي قطعوا أمر دينهم جاعلين له كتبا
وجوز أن يكون حالا من أمرهم على اعتبار تقطعوا لازما أي تفرقوا في أمرهم حال كونه مثل الكتب السماوية عندهم وقيل : إنها حال مقدرة أو منصوب بنزع الخافض أي في كتب وتفسير زبرا بكتب رواه جماعة عن قتادة كما في الدر المنثور ولا يخفى خفاء المعنى عليه ولا يكاد يستقيم إلا بتأويل فتدبر
وقريء زبرا بإسكان الباء للتخفيف كرسل في رسل وجاء فتقطعوا هنا بالفاء إيذانا بأن ذلك اعتقب الأمر وفيه مبالغة في الذم كما أشرنا إليه وجاء في سورة الأنبياء بالواو فاحتمل معنى الفاء واحتمل تأخر تقطعهم عن الأمر وجاء هنا وأنا ربكم فاتقون وهو أبلغ في التخويف والتحذير مما جاء هناك من قوله تعالى : هناك : وأنا ربكم فاعبدون لأن هذه جاءت عقيب إهلاك طوائف كثيرين قوم نوح والأمم الذين من بعدهم وفي تلك السورة وإن تقدمت أيضا قصة نوح وما قبلها فإنه جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام في قصة أيوب وزكريا ومريم فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته عز و جل قاله أبو حيان وما ذكره أولا غير واف بالمقصود وما ذكره ثانيا قيل عليه : إنه مبني على أن الآية تذييل للقصص السابقة أو لقصة عيسى عليه السلام لا ابتداء كلام فإنه حينئذ لا يفيد ذلك إلا أن يراد أنه وقع في الحكاية لهذه المناسبة فتأمل
كل حزب من أولئك المتحزبين بما ليديهم من الأمر الذي اختاروه فرحون
53
- مسرورون منشرحو الصدر والمراد أنهم معجبون به معتقدون أنه الحق وفي هذا ذم أولئك المتحزبين ما فيه
فذرهم في غمرتهم خطاب له صلى الله تعالى عليه وسلم في شأن قريش الذين تقطعوا في أمر الدين الحق والغمرة الماء الذي يغمر القامة وأصلها من الستر المراد بها الجهالة بجامع الغلبة والإستهلاك وكأنه لما ذكر سبحانه في ضمن ما كان من أمم الأنبياء عليهم السلام توزعهم واقتسامهم ما كان يجب اجتماعه واتفاق الكلمة عليه من الدين وفرحهم بفعلهم الباطل ومعتقدهم العاطل قال لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم : فإذا ذاك دعهم في جهلهم هذا الذي فوقه تخلية وخذلانا ودلالة على اليأس من أن ينجع القول فيهم وضمن التسلية في ذكر الغاية أعني قوله سبحانه حتى حين
54
- فإن المراد بذلك حين قتلهم وهو يوم بدر على ما روي عن مقاتل أو موتهم على الكفر الموجب للعذاب أو عذابهم وفي التنكير والإبهام ما لا يخفى من التهويل
وجوز أن يقال : شبه حال هؤلاء مع ما هم عليه من محاولة الباطل والإنغماس فيه بحال من يدخل في الماء الغامر للعب والجامع تضييع الوقت بعد الكدح في العمل والكلام حينئذ على منوال سابقه أعني قوله تعالى : كل حزب بما لديهم فرحون لما جعلوا فرحين غرورا جعلوا لاعبين أيضا أظهر والأول أظهر وقد يجعل الكلام عليه أيضا استعارة تمثيلية بل هو أولى عند البلغاء كما لا يخفى
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وأبو حيوة والسلمي في غمراتهم على الجمع لأن لكل واحد غمرة
أيحسبون أنما نمدهم به أي الذي نعطيهم إياه ونجعله مددا لهم فما موصولة اسم أن ولا يضر كونها