كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

عن الفاء اللازمة فيه إذا وقع كذلك وتعقب هذا القول بأنه لا يخفى أن المقصود الأصلي من الجملة الشرطية هو الجواب فيؤدي ذلك أن يكون مفاجأتهم الجؤار غير مقصود أصلي
وقوله تعالى : إنكم منا لا تنصرون
65
- تعليل للنهي عن الجؤار ببيان عدم نفعه ومن ابتدائية أي لا يلحقكم منا نصرة تنجيكم مما أنتم فيه وجوز أن تكون من صلة النصر وضمن معنى المنع أو تجوز به عنه أي لا تمنعون منا وتعقب بأنه لا يساعده سباق النظم الكريم لأن جؤارهم ليس إلى غيره تعالى حتى يرد عليهم بعدم منصوريتهم من قبله تعالى ولا سياقه فإن قوله تعالى : قد كانت آياتي تتلى عليكم إلى آخره صريح في أنه تعليل لعدم لحوق النصر من جهته بسبب كفرهم بالآيات ولو كان النصر المنفي متوهما من الغير لعلل بعجزه أو بعزة الله تعالى وقوته وأنت تعلم أنهم المشركون الذين شركاؤهم نصب أعينهم ولم يقيد الجؤار بكونه إلى الله تعالى وأمر التعليل سهل وقد يقال : المعنى على هذا الوجه دعوى الصراخ فإنه لا يمنعكم منا ولا ينفعكم عندنا فقد ارتكبتم أمرا عظيما وإثما كبيرا لا يدفعه ذلك ثم لا يخفى ما في كلام المتعقب بعد والمراد قد كانت آياتي تتلى عليكم قبل أن يأخذ مترفيكم العذاب فكنتم عند تلاوتها على أعقابكم تنكصون
66
- أي تعرضون عن سماعها أشد الإعراض فضلا عن تصديقها والعمل بها والنكوص الرجوع والأعقاب جمع عقاب وهو مؤخر الرجل ورجوع الشخص على عقبه رجوعه في طريقه الأولى كما يقال رجع عوده على بدئه وجل بعضهم التقييد بالأعقاب من باب التأكيد كما في بصرته بعيني بناء على أن النكوص الرجوع قهقري وعلى الأعقاب وأيلما كان فهو مستعار للإعراض
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه تنكصون بضم الكاف مستكبرون به أي بالبيت الحرام
والباء للسببية وسوغ هذا الإضمار مع أنه لم يجر له ذكر اشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم خدام البيت وقوامه وهذا ما عليه جمهور الالمفسرين وقريب منه كون الضمير للحرم وقال في البحر : الضمير عائد على المصدر الدال عليه تنكصون وتعقب بأنه لا يفيد كثير معنى فإن ذلك مفهوم من جعل مستكبرين حالا واعترض عليه بما فيه بحث وذكر منذر بن سعيد أن الضمير لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويحسنه أن في قوله تعالى : قد كانت آياتي تتلى عليكم دلالة عليه عليه الصلاة و السلام والباء إما للتعدية على تضمين الإستكبار معنى التكذيب أو جعله مجازا عنه وإما للسببية لأن استكبارهم ظهر ببعثه صلى الله تعالى عليه وسلم وجوز أن يعود على القرآن المفهوم من الآيات أو عليها باعتبار تأويلها به وأمر الباء كما سمعت آنفا وجوز أن تكون متعلقة بقوله تعالى : سمرا أي تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرا وشعرا والمعنى على ذلك وإن لم يعلق به به ويجوز على تقدير تعلقه بسامرا عود الضمير على النبي عليه الصلاة و السلام وكذا يجوز كون المعنى عليه وإن لم يعلق به وقيل : هي متعلقة بتهجرون وفيه من البعد ما فيه ونصب سامرا على الحال وهو اسم جمع كالحاج والحاضر والجامل والباقر وقيل : هو مصدر وقع حالا على التأويل المشهور فهو

الصفحة 49