كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

وفي الخبر لا تنسوا مضر وربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قسا فإنه كان مسلما ولا تسبوا الحرث ابن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرد فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم في شيء فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما وروي أن ضبة بن أد كان مسلما وكان على شرطة سليمان بن داود عليهما السلام
وفي الكشف أن جعل فائدة التدبر استعقاب العلم فالهمزة في المنقطعة للتقرير وإثبات أنهم مصرون على التقليد فلذلك لم يتدبروا ولم يعلموا وإن جعلت الإعتبار والخوف فالهمزة فيها للإنكار أو التقرير تهكما أه فتدبر ثم لا يخفى أن إسناد المجيء إلى إلا من غير ظاهر ظهور إسناده إلى الكتاب وبهذا تنحط درجة هذا الوجه على الوجه الأول
أم لم يعرفوا رسولهم إضراب وانتقال من التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بوجه آخر والهمزة لإنكار الوقوع أيضا أي بل ألم يعرفوه عليه الصلاة و السلام بالأمانة والصدق وحسن الأخلاق إلى غير ذلك من الكمالات اللائقة بالأنبياء عليهم السلام
وقد صح أن أبا طالب يوم نكاح النبي صلى الله عليه و سلم خطب بمحضر رؤساء مضر وقريش فقال : أحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضيء معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوبا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي كذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل
وفي هذا دليل واضح على أنهم عرفوه صلى الله تعالى عليه وسلم بغاية الكمال وإلا لأنكروا قول أبي طالب فيه عليه الصلاة و السلام ما قال
فهم له منكرون
69
- الفاء سببية لتسبب الإنكار عن عدم المعرفة فالجملة داخلة في حيز الإنكار ومآل المعنى هم عرفوه بالكمال اللائق بالأنبياء عليهم السلام فكيف ينكرونه واللام للتقوية وتقديم المعمول للتخصيص أو الفاصلة والكلام على تقدير مضاف أي منكرون لدعواه أو لرسالته عليه الصلاة و السلام
أم يقولون به جنة انتقال إلى توبيخ آخر والهمزة لإنكار الواقع كالأولى أي بل أيقولون به جنة أي جنون مع أنه عليه الصلاة و السلام أرجح الناس عقلا وأثقبهم رأيا وأوفرهم رزانة وقد روعي في هذه التوبيخات الأربع التي اثنان منها متعلقان بالقرآن والباقيان به عليه الصلاة و السلام الترقي من الأدنى إلى الأعلى كما بينه شيخ الإسلام وقوله تعالى بل جاءهم بالحق إضراب عما يدل عليه ما سبق أي ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول صلى الله عليه و سلم بل جاءهم بالحق أي بالصدق الثابت الذي لا محيد عنه والمراد به التوحيد ودين الإسلام الذي تضمنه القرآن ويجوز أن يراد به القرآن
وأكثرهم للحق كارهون
70
- لما في جبلتهم من كمال الزيغ والإنحراف والظاهر أن الظمائر لقريش وتقييد الحكم بأكثرهم لأن منهم من أبى الإسلام واتباع الحق حذرا من تعيير قومه أو نحو ذلك لا كراهة للحق من حيث هو حق فلا يرد ما قيل : إن من أحب شيئا كره ضده فمن أحب البقاء على الكفر فقد كره

الصفحة 51