كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
الإنتقال إلى الإيمان ضرورة وقال ابن المنير : يحتمل أن يحمل الأكثر على الكل كما حمل القليل على النفي وفيه بعد وكذا ما اختاره من كون ضمير أكثرهم للناس كافة لا لقريش فقط فيكون الكلام نظير قوله تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وقد يقال : حيث كان المراد إثبات الكراهة للحق على سبيل الإستمرار وعلم الله تعالى أن فيهم من يؤمن ويتبع الحق لم يكن بد من تقييد الحكم بالأكثر والظاهر بناء على القاعدة الأغلبية في إعادة المعرفة أن الحق الثاني عين الحق الأول وأظهر في مقام الإضمار لأنه أظهر في الضمر والضمير ربما يتوهم عوده للرسول عليه الصلاة و السلام وقيل : اللام في الأول للعهد وفي الثاني للإستغراق أو للجنس أي وأكثرهم للحق أي حق كان لا لهذا الحق فقط كما ينبيء عنه الإظهار كارهون وتخصيص أكثرهم بهذا الوصف لا يقتضي إلا عدم كراهة بعضهم لكل حق من الحقوق وذلك لا ينافي كراهتهم لهذا الحق وفيه بحث إذ لا يكاد يسلم أن أكثرهم كارهون لكل حق وكذا الظاهر أن يراد بالحق في قوله تعالى ولو اتبع الحق أهواءهم الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه و سلم وجعل الإتباع حقيقيا والإسناد مجازيا وقيل مآل المعنى لو اتبع النبي صلى الله عليه و سلم أهواءهم فجاءهم بالشرك بدل ما أرسل به لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن أي لخرب الله تعالى العالم وقامت القيامة لفرط غضبه سبحانه وهو فرض محال من تبديله عليه الصلاة و السلام ما أرسل به من عنده وجوز أن يكون المراد بالحق الأمر المطابق للواقع في شأن الألوهية والإتباع مجازا عن الموافقة أي لو وافق الأمر المطابق للواقع أهواءهم بأن كان الشرك حقا لفسدت السماوات والأرض حسبما قرر في قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ولعل الكلام عليه اعتراض للإشارة إلى أنهم كرهوا شيئا لا يمكن خلافه أصلا فلا فائدة لهم في هذه الكرهة
واعترض بأنه لا يناسب المقام وفيه بحث وكذا ما قيل : إن ما يوافق أهواءهم هو الشرك في الألوهية لأن قريشا كانوا وثنية وهو لا يستلزم الفساد والذي يستلزمه إنما هو الشرك في الربوبية كما تزعمه الثنوية وهم لم يكونوا كذلك كما ينبيء عنه قوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله
وجوز أن يكون المعنى لو وافق الحق مطلقا أهواءهم لخرجت السماوات والأرض عن الصلاح والإنتظام بالكلية والكلام استطراد لتعظيم شأن الحق مطلقا بأن السماوات والأرض ما قامت ولا من فيهن إلا به ولا يخلو عن حسن وقيل : المراد بالحق هو الله تعالى
وقد أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح وحكاه بعضهم عن ابن جريج والزمخشري عن قتادة والمعنى عليه لو كان الله تعالى يتبع أهواءهم ويفعل ما يريدون فيشرع لهم الشرك ويأمرهم به لم يكن سبحانه إلها فتفسد السماوات والأرض وهذا مبني على أن شرع الشرك نقص يجب تنزيه الله تعالى عنه وقد ذكر ذلك الخفاجي وذكر أنه قد قام الدليل العقلي عليه وأنه لا خلاف فيه ولعل الكلام عليه اعتراض أيضا للإشارة إلى عدم إمكان إرسال النبي عليه الصلاة و السلام إليهم بخلاف ما جاء به مما لا يكرهونه فكراهتهم لما جاء به عليه الصلاة و السلام لا تجديهم نفعا فالقول بأنه بعيد عن مقتضى المقام ليس في محله وقيل : المعنى عليه لو فعل الله تعالى ما يوافق أهواءهم لاختل نظام العالم لما أن آراءهم متناقضة وفيه إشارة إلى فساد عقولهم وأنهم لذلك كرهوا ما كرهوه من الحق الذي