كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

جاء به عليه الصلاة و السلام وهو كما ترى
وقرأ ابن وثاب ولو اتبع بضم الواو بل أتيناهم بذكرهم انتقال من تشنيعهم بكراهة الحق إلى تشنيعهم بالإعراض عما جبل عليه كل نفس من الرغبة فيما فيه خيرها والمراد بالذكر القرآن الذي هو فخرهم وشرفهم حسبما ينطق به قوله تعالى وأنه لذكر لك ولقومك أي بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب أن يقبلوا عليه أكمل إقبال ويقبلوا ما فيه أكمل قبول فهم بما فعلوا من النكوص من ذكرهم أي فخرهم وشرفهم خاصة معرضون
71
- لا عن غير ذلك مما لا يوجب الإقبال عليه والإعتناء به وفي وضع الظاهر موضع الضمير مزيد تشنيع لهم وتقريع والفاء لترتيب ما بعدها من إعراضهم عن ذكرهم على ما قبلها من الإتيان بذكرهم ومن فسر الحق في قوله تعالى بل جاءهم بالحق بالقرآن الكريم قال هنا : في إسناد الإتيان بالذكر إلى نون العظمة بعد إسناده إلى ضميره عليه الصلاة و السلام تنوينه بشأن النبي صلى الله عليه و سلم وتنبيه على كونه عليه الصلاة و السلام بمثابة عظيمة منه عز و جل وفي إيراد القرآن الكريم عند نسبته إليه صلى الله عليه و سلم بعنوان الحقية وعند نسبته إليه تعالى بعنوان الذكر من النكتة السرية والحكمة العبقرية ما لا يخفى فإن التصريح بحقيته المستلزمة لحقية من جاء به هو الذي يقتضيه مقام حكاية ما قاله المبطلون في شأنه وأما التشريف فإنما يليق به تعالى لا سيما رسول الله صلى الله عليه و سلم أحد المشرفين وقيل : المراد بذكرهم ما تمنوه بقولهم لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكأنه قيل : بل أتيناهم الكتاب الذي تمونه وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالذكر الوعظ
وأيد بقراءة عيسى بذكراهم بألف التأنيث ورجح القولان الأولان بأن التشنيع عليهما أشد فإن الإعراض عن وعظهم ليس بمثابة إعراضهم عن شرفهم وفخرهم أو عن كتابهم الذي تمنوه في الشناعة والقباحة
وقيل : إن الوعظ فيه بيان ما يصلح به حال من يوعظ فالتشنيع بالإعراض عنه لا يقصر عن التشنيع بالإعراض عن أحد ذينك الأمرين ولا يخفى ما فيه من المكابرة
وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر ويونس عن أبي عمرو بل أتيتهم بتاء المتكلم وابن أبي إسحاق وعيسى أيضا واو حيوة والجحدري وابن قطيب وأبو رجاء بل أتيتهم بتاء الخطاب للرسول صلى الله عليه و سلم وأبو عمرو في رواية آتيناهم بالمد ولا حاجة على هذه القراءة إلى ارتكاب مجاز أو دعوى حذف مضاف كما في قراءة الجمهور على تقدير جعل الباء للمصاحبة وقرأ قتادة نذكرهم بالنون ذكر أم تسئلهم متعلق بقوله تعالى أم يقولون جنة فهو انتقال إلى توبيخ آخر وغير للخطاب لمناسبته ما بعده وكان المراد أم يزعمون أنك تسألهم على أداء الرسالة خرجا أي جعلا فلأجل ذلك لا يؤمنون بك وقوله تعالى فخراج ربك خير أي رزقه في الدنيا وثوابه في الآخرة تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار أي لا تسألهم ذلك فإن ما رزقك الله تعالى في الدنيا والعقبى خير من ذلك لسعته ودوامه وعدم تحمل منة الرجال فيه وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة و السلام من تعليل الحكم وتشريفه صلى الله عليه و سلم ما لا يخفى
و الخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار

الصفحة 53