كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
والذين هم لفروجهم حافظون
إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم وصف لهم بالعفة وهو وإن استدعاء وصفهم بالإعراض عن اللغو إلا أنه جيء به اعتناء بشأنه ويجوز أن يقال : إن ما تقدم وإن استدعى وصفهم بأصل العفة لكن جيء بهذا لما فيه من الإيذان بأن قوتهم الشهوية داعية لهم إلى ما لا يخفى وأنهم حافظون لها عن استيفاء مقتضاها وبذلك يتحقق كمال العفة واللام للتقوية كما مر في نظيره و على متعلق بحافظون لتضمينه معنى ممسكون على ما اختاره أبو حيان والإمساك يتعدى بعلى كما في قوله تعالى أمسك عليك زوجك وذهب جمع إلى اعتبار معنى النفي المفهوم من الإمساك ليصح التفريغ فكأنه قيل حافظون فروجهم لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم وقال بعضهم : لا يلزم ذلك لصحة العموم هنا فيصح التفريغ في الإيجاب وفي الكشف الوجه أن يقال : ما في الآية من قبيل حفظت على الصبي ماله إذا ضبطه مقصورا عليه لا يتعداه والأصل حافظون فروجهم على الأزواج لا تتعداهن ثم قيل غير حافظين إلا على الأزواج تأكيدا على تأكيد وعلى هذا تضمين معنى النفي الذي ذكره الزمخشري من السياق واستدعاء الإستثناء المفرغ ذلك ولم يؤخذ مما في الحفظ من معنى المنع والإمساك لأن حرف الإستعلاء يمنعه انتهى وفيه ما فيه
وياليت شعري كيف عد حرف الإستعلاء مانعا عن ذلك مع أن كون الإمساك مما يتعدى به أمر شائع وقال الفراء وتبعه ابن مالك وغيره : إن على هنا بمعنى من أي إلا من أزواجهم كما أن من بمعنى على في قوله تعالى ونصرناه من القوم أي على القوم وقيل هي متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير حافظون والإستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي حافظون لفروجهم في جميع الأحوال إلا حال كوتهم وألين وقوامين على أزواجهم من قولك : كان فلان على فلانة فمات عنها ومنه قولهم : فلانة تحت فلان ولذا سميت المرأة فراشا أو متعلقة بمحذوف يدل عليه غير ملومين كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه وكلا الوجهين ذكرهما الزمخشري
واعترض بأنهما متكلفان ظاهرا فيهما العجمة وأورد على الأخير أن إثبات اللوم لهم في أثناء المدح غير مناسب مع أنه لا يختص بهم وكون ذلك على فرض عصيانهم وهو مثل قوله تعالى فمن ابتغى الخ لا يدفعه كما توهم لا يجوز أن تتعلق بملومين المذكور بعد لما قال أبو البقاء من أن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها وأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبله والمراد مما ملكت أيمانهم السريات والتخصيص بذلك للإجماع على عدم حل المملوك الذكر والتعبير عنهن بما على القول باختصاصها بغير العقلاء لأنهن يشبهن السلع بيعا وشراء أو لأنهن لأنوثتهن المنبئة عن قلة عقولهن جاريات مجرى غير العقلاء هذا وظاهر فيما إذا كن من الجركس أو الروم أو نحوهم فكيف إذا كن من الزنج والحبش وسائر السودان فلعمري إنهن حينئذ إن لم يكن من نوع البهائم فما نوع البهائم منهن ببعيد والآية خاصة بالرجال فإن التسري للنساء بالإجماع وعن قتادة قال تسرت امرأة غلاما فذكرت لعمر رضي الله تعالى عنه فسألها ما حملك على هذا فقالت : كنت أرى أنه يحل لي ما يحل للرجال من ملك اليمين فاستشار عمر فيها أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله تعالى على غير تأويله فقال رضي الله تعالى عنه : لا جرم لا أحلك لحر بعده أبدأ كأنه عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها وأمر العبد