كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

وفي لفظ يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد ألا إن هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه وفي لفظ من كان له مظلمة فليجيء ليأخذ حقه فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم وهذا الأثر يدل على أن هذا الحكم غير خاص بالكفرة بل يعمهم وغيرهم وقيل : هو خاص بهم كما يقتضيه سياق الآية وقيل لا ينفع نسب يومئذ إلا نسبه صلى الله عليه و سلم
فقد أخرج البزار والطبراني والبيهقي وأبو نعيم والحاكم والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي
وقد أخرج جماعة نحوه عن مسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه مرفوعا وأخرج ابن عساكر نحوه مرفوعا أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو خبر مقبول لا يكاد يرده إلا من قلبه شائبة نصب نعم ينبغي القول بأن نفع نسبه صلى الله عليه و سلم إنما هو بالنسبة للمؤمنين الذين تشرفوا به وأما الكافر والعياذ بالله تعالى فلا نفع له بذلك أصلا وقد يقال : إن هذا الخبر لا ينافي إرادة العموم في الآية بأن يكون المراد نفي الإلتفات إلى الأنساب عقيب النفخة الثانية من غير فصل حسبما يؤذن به الفاء الجزائية فإنها على المختار تدل على التعقيب ويكون المراد تهويل شأن ذلك الوقت ببيان أنه يذهل فيه كل أحد عمن بينه وبينه نسب ولا يلتفت إليه ولا يخطر هو بباله فضلا عن أنه ينفعه أو لا ينفعه وهذا لا يدل على عدم نفع كل نسب فضلا عن عدم نفع نسبه صلى الله عليه و سلم وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وحكى عن الجبائي أن المراد أنه لا يفتخر يومئذ بالأنساب كما يفتخر بها في الدنيا وإنما يفتخر هناك بالأعمال والنجاة من الأهوال فحيث لم يفتخر بها ثمت كانت كأنها لم تكن فعلى هذا وكذا على ما تقدم يكون قوله تعالى فلا أساب من باب المجاز
وجوز أن يكون فيه صفة مقدرة أي فلا أنساب نافعة أو ملتفتا إليها أو مفتخرا بها وليس بذاك والظاهر أن العامل في يومئذ هو العامل في بينهم لا أنساب لما لا يخفى ولا يتساءلون
101
- أي ولا يسأل بعضهم بعضا عن حاله وممن هو ونحو ذلك لاشتغال كل منهم بنفسه عن الإلتفات إلى أبناء جنسه وذلك عقيب النفخة الثانية من غير فصل أيضا فهو مقيد بيومئذ وإن لم يذكر بعده اكتفاء بما تقدم وكان كلا الحكمين بعد تحقيق أمر تلك النفخة لديهم ومعرفة أنها لماذا كانت وحينئذ يجوز أن يقال : إن قولهم من بعثنا من مرقدنا قبل تحقق أمر تلك النفخة لديهم فلا أشكال ويحتمل أن كلا الحكمين في مبدأ الأمر قبل القول المذكور كأنهم حين يسمعون الصيحة يذهلون عن كل شيء الأنساب وغيرها كالنائم إذا صيح به صيحة مفزعة فهب من منامه فزعا ذاهلا عمن عنده مثلا فإذا سكن روعهم في الجملة قال قائلهم من بعثنا من مرقدنا وقيل : لا نسلم أن قولهم من بعثنا من مرقدنا أنه كان بطريق التساؤل وعلى الإحتمالين لا يشكل هذا مع قوله تعالى في شأن الكفرة يوم القيامة وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وفي شأن المؤمنين فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون فإن تساؤل الكفرة المنفي في موطن وتساؤلهم المثبت في موطن آخر ولعله عند جهنم وهو بعد النفخة الثانية بكثير وكذا تساؤل المؤمنين بعدها بكثير أيضا فإنه في الجنة كما يرشد إليه الرجوع إلى ما قبل الآية وقد يقال : إن التساؤل المنفي هنا تساؤل التعارف ونحوه مما يترتب عليه دفع مضرة

الصفحة 65