كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
بذلك لأنها أشرف الأعضاء فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار وهو السر في تقديمها على الفاعل
وهم فيها كالحون
104
- متقلصو الشفاه عن الأسنان من أثر ذلك اللفح وقد صح من رواية الترمذي وجماعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في الآية تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته وأخرج ابن مردويه والضياء في صفة النار عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى تلفح الخ : تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكلوح بسور الوجه وتقطيبه وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة كلحون بغير ألف جمع كلح كحذر ألم تكن آياتي تتلى عليكم على إضمار القول أي يقال لهم تعنيفا وتوبيخا وتذكيرا لما به استحقوا ما ابتلوا به من العذاب ألم تكن آياتي تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون
105
- حينئذ قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا أي استولت علينا وملكتنا شقاوتنا التي اقتضاها سوء استعدادنا كما يوميء إلى ذلك إضافتها إلى أنفسهم وقرأ شبل في اختياره شقوتنا بفتح الشين وقرأ عبد الله واتلحسن وقتادة وحمزة والكسائي والمفضل عن عاصم وأبان والزعفراني وابن مقسم شقاوتنا بفتح الشين وألف بعد القاف وقرأ قتادة أيضا والحسن في رواية خالد بن حوشب عنه شقاوتنا بالألف وكسر الشين وهي في جميع ذلك مصدر ومعناها ضد السعادة وفسرها جماعة بسوء العاقبة التي علم الله تعالى أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم ونسب ذلك لجمهور المعتزلة وعن الأشاعرة أن المراد بها ما كتبه الله تعالى عليهم في الأزل من الكفر والمعاصي وقال الجبائي : المراد بها الهوى وقضاء اللذات مجازا من باب إطلاق المسبب على السبب وأيا ما كان فنسبة الغلب إليها لاعتبار تشبيهها بمن يتحقق منه ذلك ففي الكلام استعارة مكنية تخييلية ولعل الأولى أن يخرج الكلام مخرج التمثيل ومرادهم بذلك على جميع الأقوال في الشقوة الإعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم لأن منشأها على جميع الأقوال عند التحقيق ما هم عليه في أنفسهم فكأنهم قالوا : ربنا غلب علينا أمر منشؤه ذواتنا وكنا بسبب ذلك قوما ضالين
106
- عن الحق مكذبين بما يتلى من الآيات فما تنسب إلى حيف في تعذيبنا ولا يجوز أن يكون اعتذارا بما علمه الله تعالى فيهم وكتبه عليهم من الكفر أي غلب علينا ما كتبته علينا من الشقاوة وكنا في علمك قوما ضالين أو غلب علينا ما علمته وكتبته وكنا بسبب ذلك قوما ضالين فما وقع منا من التكذيب بآياتك لا قدرة لنا على رفعه وإلا لزم انقلاب العلم وهو محال لأن ذلك باطل في نفسه لا يصلح للإعتذار فإنه سبحانه ما كتب إلا ما علم وما هم عليه في نفس الأمر من سوء الإستعداد المؤدي إلى سوء الإختيار فإن العلم على ما حقق في موضعه تابع للمعلوم ويؤيد دعوى الإعتراف قوله تعالى حكاية عنهم
ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالموا
107
- أي ربنا أخرجنا من النار وأرجعنا إلى الدنيا فإن عدنا بعد ذلك إلى ما كنا عليه فيها من الكفر والمعاصي فإنا متجاوزون الحد في الظلم لأن اجتراءهم على هذا الطلب أوفق بكون ما قبله اعترافا فإنه كثيرا ما يهون به المذنب غضب من أذنب إليه والإعتذار وإن كان كذلك بل أعظم إلا أن هذا الإعتذار أشبه شيء بالإعتراض الموجب لشدة الغضب الذي لا يحسن معه الإقدام على مثل