كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
هذا الطلب هذا مع أنهم لو لم يعتقدوا أن ذلك عذر مقبول والإعتذار به نافع لم يقدموا عليه ومع هذا الإعتقاد لا حاجة بهم إلى طلب الإخراج والإرجاع ولا يقال مثل هذا على تقدير كونه اعترافا لأنهم إنما قالوه تمهيدا للطلب المذكور لما أنه مظنة تسكين لهب نار الغضب على ما سمعت ثم إن القوم لعلهم ظنوا تغير ما هم عليهم من سوء الإستعداد لو عادوا لما شاهدوا من حالهم في ذلك اليوم ولذلك طلبوا ما طلبوا
وفي قولهم : عدنا إشارة إلى أنهم حين الطلب على الإيمان والطاعة فيكون الموعود على تقدير الرجعة إلى الدنيا الثبات عليهما لينتفعوا بهما بعد أن يموتوا ويحشروا فتأمل قال الله سبحانه إقناطا لهم أشد إقناط إخسئوا فيها أي ذلوا وانزجروا انزجار الكلاب إذا زجرت من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ أي انزجر أو اسكتوا سكوت هوان ففيه استعارة مكنية قرينتها تصريحية ولا تكلمون
108
- باستدعاء الإخراج من النار والرجع إلى الدنيا وقيل : لا تكلمون في رفع العذاب ولعل الأول أوفق بما قبله بالتعليل الآتي وقيل : لا تكلمون أبدا وهو آخر كلام يتكلمون به
أخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن حذيفة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إن الله تعالى إذا قال لأهل النار إخسئوا فيها ولا تكلمون عادت وجوههم قطعة لحم ليس فيها أفواه ولا مناخر يتردد النفس في أجوافهم وأخرج الطبراني والبيهقي في البعث وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والحاكم وصححه وجماعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : إن أهل جهنم ينادون مالكا ليقض علينا ربك فيذرهم أربعين عاما لا يجيبهم ثم يجيبهم إنكم ماكثون ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيذرهم مثلي الدنيا لا يجيبهم ثم يجيبهم اخسئوا فيها ولا تكلمون قال : فما يبس القوم بعدها بكلمة وما هو إلا الزفير والشهيق
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهما عن محمد بن كعب قال : لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله تعالى في أربعة فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا يقولون : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل فيجيبهم الله تعالى ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ثم يقولون : ربنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحا إنا موقنون فيجيبهم الله تعالى فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ثم يقولون ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل فيجيبهم الله تعالى أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال ثم يقولون ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل فيجيبهم الله تعالى أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءهم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ثم يقولون : ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيجيبهم الله تعالى إخسئوا فيها ولا تكلمون فلا يتكلمون بعدها أبدا وفي بعض الآثار أنهم يلهجون بكل دعاء ألف سنة ويشكل على هذه الأخبار ظواهر الخطابات الآتية لا يخفى ولعلها لا يصح منها شيء وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الإعتبار تعالى أعلم
إنه تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء أي إن الشأن وقرأ أبي وهارون العتكي أنه بفتح الهمزة أي لأن الشأن كان في الدنيا تريدون الرجعة إليها فريق من عبادي وهم المؤمنون