كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
وقيل : هم الصحابة وقيل : أهل الصفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين
يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين
109
- فاتخذتموهم سخريا أي هزؤا أي اسكتوا عن الدعاء بقولكم ربنا الخ لأنكم كنتم تستهزئون بالداعين خوفا من هذا اليوم بقولهم ربنا آمنا الخ حتى أنسوكم بتشاغلكم بالإستهزاء بهم ذكرى أي خوف عقابي في هذا اليوم
وكنتم منهم تضحكون
110
- وذلك غاية الإستهزاء وقيل : التعليل على معنى إنما خسأناكم كالكلب ولم نحتفلكم إذ دعوتم لأنكم استهزأتم غاية الإستهزاء بأوليائي حين دعوا واستمر ذلك منكم حتى نسيتم ذكرى بالكلية ولم تخافوا عقابي فهذا جزاؤكم وقيل : خلاصة معنى الآية إنه كان فريق من عبادي يدعون فتشاغلتم بهم ساخرين واستمر تشاغلكم باستهزائهم إلى أن جركم ذلك إلى ترك ذكري في أوليائي فلم تخافوني في الإستهزاء بهم ثم قيل : وهذا التذنيب لازم ليصح قوله تعالى : إنه كان الخ تعليلا ويرتبط الكلام ويتلاءم مع قوله سبحانه : وكنتم منهم تضحكون ولو لم يرد به ذلك يكون إنساء الذكر كالأجنبي في هذا المقام وفيه تسخط عظيم لفعلهم ذلك ودلالة على اختصاص بالغ لأولئك العباد المسخور منهم كما نبه عليه أولا في قوله تعالى من عبادي وختمه بقوله سبحانه : إني جزيتهم إلى قوله تعالى : هم الفائزون وزاد في خسئهم بإعزاز أضدادهم انتهى ولا يخلو عن بحث
وقرأ نافع وحمزة والكسائي سخريا بضم السين وباقي السبعة بكسرها والمعنى عليهما واحد وهو الهزؤ عند الخليل وأبي زيد الأنصاري وسيبويه وقال أبو عبيدة والكسائي والفراء : مضموم السين بمعنى الإستخدام من غير أجرة ومكسورها بمعنى الإستهزاء وقال يونس : إذا أريد الإستخدام ضم السين لا غير وإذا أريد الهزؤ جاز الضم والكسر وهو في الحالين مصدر زيدت فيه ياء النسبة للمبالغة كما في أحمري وقوله تعالى : إني جزيتهم اليوم بما صبروا أي بسبب صبرهم على أذيتكم استئناف لبيان حسن حالهم وأنهم انتفعوا بما آذوهم وفيه إغاظة لهم وقوله سبحانه إنهم هم الفائزون
111
- إما في موضع المفعول الثاني للجزاء وهو يتعدى له بنفسه وبالباء كما قال الراغب أي جزيتهم فوزهم بمجامع مراداتهم كما يؤذن به معمول الوصف حال كونهم مخصوصين بذلك كما يؤذن به توسيط ضمير الفصل وأما في موضع جر بلام تعليل مقدرة أي لفوزهم بالتوحيد المؤدي إلى كل سعادة ولا يمنع من ذلك تعليل الجزاء بالصبر لأن الأسباب لكونها ليست عللا تامة يجوز تعددها
وقا زيد بن علي وحمزة والكسائي وخارجة عن نافع إنهم بالكسر على أن الجملة استئناف معلل للجزاء وقيل : مبين لكيفيته فتدبر قال الله تعالى شأنه أو الملك المأمور بذلك لا بعض رؤساء أهل النار كما قيل تذكيرا لما لبثوا فيما سألوا الرجعة إليه من الدنيا بعد التنبيه على استحالته وفيه توبيخ على إنكارهم الآخرة وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير قل على الأمر للملك لا لبعض الرؤساء كما قيل ولا لجميع الكفار على إقامة الواحد مقام الجماعة كما زعمه الثعالبي كم لبثتم في الأرض التي تدعون أن ترجعوا إليها