كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فيقول بئسما أنجزتم في يوم أو بعض يوم ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا أي ألم تعلموا شيئا فحسبتم أنما خلقناكم بغير حكمة حتى أنكرتم البعث فعبثا حال من نون العظمة أي عابثين أو مفعول له أي أفحسبتم أنما خلقناكم للعبث وهو ما خلا عن الفائدة مطلقا أو عن الفائدة المعتد بها أو عما يقاوم الفعل كما ذكره الأصوليون
واستظهر الخفاجي إرادة المعنى الأول هنا واختار بعض المحققين الثاني وأنكم إلينا لا ترجعون
115
- عطف على أنما خلقناكم أي أفحسبتم ذلك وحسبتم أنكم لا تبعثون
وجوز أن يكون عطفا على عبثا والمعنى أفحسبتم أنما خلقناكم للعبث ولترككم غير مرجوعين أو عابثين ومقدرين أنكم إلينا لا ترجعون وفي الآية توبيخ لهم على تغافلهم وإشارة إلى أن الحكمة تقتضي تكليفهم وبعثهم للجزاء وقرأ الإخوان ترجعون بفتح التاء من الرجوع فتعالى الله استعظام له تعالى ولشؤنه سبحانه التي يصرف عليها عباده جل وعلا من البدء والإعادة والإثابة والعقاب بموجب الحكمة البالغة أي ارتفع سبحانه بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة
الملك الحق أي الحقيق بالمالكية على الإطلاق إيجادا وإعداما بدأ وإعادة إحياء وإماته عقابا وإثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكوتيته وقيل : الحق أي الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه وهذا وإن كان أشهر إلا أن الأول أوفق بالمقام لا إله إلا هو فإن كل ما عداه عبيده تعالى رب العرش الكريم
116
- وهو جرم عظيم وراء عالم الأجسام والأجرام وهو أعظمها وقد جاء في وصف عظمه ما يبهر العقول فيلزم من كونه تعالى ربه كونه سبحانه رب كل الأجسام والأجرام ووصف بالكريم لشرفه وكل ما شرف في بابه وصف بالكرم كما في قوله تعالى وزروع ومقام كريم وقوله سبحانه وقل لهما قولا كريما إلى غير ذلك
وقد شرف بما أودع الله تعالى فيه من الأسرار وأعظم شرف له تخصيصه باستوائه سبحانه عليه وقيل إسناد الكرم إليه مجازي والمراد الكريم ربه أو المراد ذلك على سبيل الكناية وقيل : هو على تشبيه العرش لنزول الرحمة والبركة منه بشخص كريم ولعل ما ذكرناه هو الأظهر
وقرأ أبان بن تغلب وابن محيصن وأبو جعفر وإسماعيل عن ابن كثير الكريم بالرفع على أنه صفة الرب وجوز أن يكون صفة للعرش على القطع وقد يرجح بأنه أوفق بقراءة الجمهور ومن يدع أي يعبد مع الله أي مع وجوده تعالى وتحققه سبحانه إلها آخر إفرادا أو إشراكا أو من يعبد مع عبادة الله تعالى إلها آخر كذلك ويتحقق هذا في الكافر إذا أفرد معبوده الباطل بالعبادة تارة وأشركه مع الله تعالى أخرى وقد يقتصر على إرادة الإشراك في الوجهين ويعلم حال من عبد غير الله سبحانه إفرادا بالأولى
وذكر آخر قيل إنه للتصريح بألوهيته تعالى وللدلالة على الشريك فيها وهو المقصود فليس ذكره تأكيدا لما تدل عليه المعية وإن جوز ذلك فتأمل
نعم قوله تعالى لا برهان له به صفة لازمة لإلها لا مقيدة جيء بها للتأكيد وبناء الحكم المستفاد من جزاء الشرط من الوعيد بالجزاء على قدر ما يستحق تنبيها على أن التدين الدليل على خلافه ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء جيء به للتأكيد كما في قولك : من أحسن إلى زيد لا أحق منه بالإحسان فالله تعالى مثيبه
ومن الناس من زعم أنه جواب الشرط دون قوله تعالى قائما حسابه عند ربه وجعله تفريعا على الجملة وليس بصحيح لأنه يلزم عليه حذف الفاء في جواب الشرط ولا يجوز ذلك كما قال أبو حيان إلا في الشعر
والحساب كناية عن المجازاة كأنه قيل : من يعبد إلها مع الله تعالى سبحانه مجاز له على قدر ما يستحقه إنه لا يفلح الكافرون
117
- أي إن الشأن لا يفلح الخ
وقرأ الحسن وقتادة أنه بالفتح على التعليل أو جعل الحصل من السبك خبر حسابه أي حسابه عدم الفلاح وهذا على ما قال الخفاجي من باب
تحية بينهم ضرب وجيع
وبهذا مع عدم الإحتياج إلى التقدير رجح هذا الوجه على سابقه وتوافق القراءتين عليه في حاصل المعنى ورجح الأول بأن التوافق عليه أتم وأصل الكلام على الإخبار فإنما حسابه عند ربه أنه لا يفلح هو فوضع الكافرون موضع الضمير لأن من يدع في معنى الجمع وكذلك حسابه أنه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون
وقرأ الحسن يفلح بفتح الياء واللام وما ألطف افتتاح هذه السورة بتقدير فلاح المؤمنين وإيراد عدم فلاح الكافرين في اختتامها ولا يخفى ما في هذه الجمل من تسلية رسول الله صلى الله عليه و سلم وكأنه سبحانه بعد ما سلاه بذكر ما آل من لا ينجع دعاؤه فيه أمره بما يرمز إلى متاركة مخالفيه فقال جل وعلا وقل رب وقرأ ابن محيص رب بالضم اغفر وارحم وأنت خير الراحمين
118
- والظاهر أن طلب كل من المغفرة والرحمة على وجه العموم له عليه الصلاة و السلام ولمتعيه وهو أيضا أعم من طلب أصل الفعل والمداومة عليه فلا إشكال وقد يقال في دفعه غير ذلك وفي تخصيص هذا الدعاء بالذكر ما يدل على أهمية ما فيه وقد علم صلى الله عليه و سلم أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن يقول نحوه في صلاته
فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان وجماعة عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال : يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال : قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم
ولقراءة هذه الآيات أعني قوله تعالى أفحسبتم إلى آخر السورة على المصاب نفع عظيم وكذا المداومة على قراءة بعضها في السفر
أخرج الحكيم الترمذي وابن المنذر وأبو نعيم في الحلية وآخرون عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ في أذن مصاب أفحسبتم حتى ختم السورة فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأ بها على جبل لزال
وأخرج ابن السني وابن منده وأبو نعيم في المعرفة بسند حسن من طريق محمد بن إبراهيم بن الحرث التميمي عن أبيه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فقرأناها فغنمنا وسلمنا هذا والله تعالى المسؤل لكل خير

الصفحة 71