كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
ومن باب الإشارة في الآيات قيل قد أفلح المؤمنون أي وصلوا إلى المحل الأعلى والقربة والسعادة والذين هم في صلاتهم خاشعون ظاهرا وباطنا والخشوع في الظاهر انتكاس الرأس والنظر إلى موضع السجود وإلى ما بين يديه وترك الإلتفات والطمأنينة في الأركان ونحو ذلك والخشوع في الباطن سكون النفس عن الخواطر والهواجس الدنيوية بالكلية أو ترك الإسترسال معها وحضور القلب لمعاني القراءة والأذكار ومراقبة السر بترك الإلتفات إلى المكنونات واستغراق الروح في بحر المحبة والخشوع شرط لصحة الصلاة عند بعض الخواص نقل الغزالي عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي من لم يخشع فسدت صلاته وهو قول لبعض الفقهاء وتفصيله في كتبهم ولا خلاف في أنه لا ثواب في قول أو فعل من أقوال وأفعال الصلاة أدى مع الغفلة وما أقبح مصل يقول الحمد لله رب العالمين وهو غافل عن الرب جل شأنه متوجه بشرا شره إلى الدرهم والدينار ثم يقول إياك نعبد وإياك نستعين وليس في قلبه وفكره غيرهما ونحو هذا كثير ومن هنا قال الحسن : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع
وقد ذكروا أن الصلاة معراج المؤمن افترى مثل صلاة هذا تلح لذلك حاش لله تعالى من زعم ذلك فقد افترى والذين هم عن اللغو معرضون قال بعضهم : اللغو كل ما يشغل عن الحق عز و جل
وقال أبو عثمان : كل شيء فيه للنفس حظ فهو لغو وقال أبو بكر بن طاهر : كل ما سوى اللاله تعالى فهو لغو الذبن هم للزكاة فاعلون هي تزكية للنفس عن الأخلاق الذميمة والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين إشارة إلى استيلائهم على القوة الشهوية فلا يتجاوزون فيها ما حد لهم وقيل : الإشارة فيه إلى حفظ الأسرار أي والذين هو ساترون لما يقبح كشفه من الأسرار عن الأغيار إلا على أقرانهم ومن أزدوج معهم أو على مريديهم الذين هم كالعبيد لهم والذين هم لأماناتهم
قال محمد بن الفضل : سائر جوارحهم وعهدهم الميثاق الأزلي راعون فهم حسنو الأفعال والأقوال والإعتقادات والذين هم على صلاتهم يحافظون فيؤدونها بشرائطها ولا يفعلون فيها وبعدها ما يضيعها كالرياء والعجب ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين قيل المخلوق من ذلك هو الهيكل المحسوس وأما الروح فهي مخلوقة من نور إلهي يعز على العقوبة إدراك حقيقته وفي قوله سبحانه ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين إشارة إلى نفخ تلك الروح المخلوقة من ذلك النور وهي الحقيقة الآدمية المرادة في قوله صلى الله عليه و سلم خلق الله تعالى آدم على صورته أي على صفته سبحانه من كونه حيا عالما مريدا قادرا إلى غير ذلك من الصفات ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين إشارة إلى مراتب النفس التي بعضها فوق بعض وكل مرتبة سفلى منها تحجب العليا أو إشارة إلى حجب الحواس الخمس الظاهرة وحاستي الوهم والخيال وقيل غير ذلك وأنزلنا من السماء قيل أي سماء العناية ماء أي ماء الرحمة بقدر أي بمقدار استعداد السالك فأسكناه في الأرض أي أرض وجوده فأنشأنا لكم به جنات من نخيل أي نخيل المعارف وأعناب أي أعناب الكشوف وقيل النخيل إشارة إلى علوم الشريعة والأعناب إشارة إلى علوم الطريقة لكم فيها فواكه كثيرة هي ما كان منها زائدا على الواجب ومنها تأكلون إشارة إلى ما كان واجبا لا يتم قوام الشريعة والطريقة بدونه وشجرة تخرج من طور سيناء إشارة إلى النور الذي يشرق من طور القلب بواسطة ما حصل له من