كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
ما فيه والوجه الوجيه هو الأول وعندي في أمثال هذه الجمل أن الإثبات فيها متوجه إلى القيد وقد ذكر ذلك الشيخ عبد القاهر وهو هنا إنزالها وفرضها وإنزال آيات بينات فيها لأجل أن يتذكر المخاطبون أو مرجوا تذكرهم فتأمل
وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وعيسى بن عمر الثقفي البصري وعيسى بن عمر الهمداني الكوفي وابن أبي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو وأم الدرداء سورة بالنصب على أنها مفعول فعل محذوف أي اتل وقدر بعضهم اتلوا بضمير الجمع لأن الخطابات الآتية بعده كذلك وليس بلازم لأن الفعل متضمن معنى القول فيكون الكلام حينئذ نظير قوله تعالى قل أطيعوا الله ولا شك في جوازه
وجوز الزمخشري أن تكون نصبا على الإغراء أي دونك سورة ورده أبو حيان بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء لضعفها في العمل لما أن عملها بالحمل على الفعل وكلام ابن مالك يقتضي جوازه وزعم إنه مذهب سيبويه وفيه بحث وجوز غير واحد كون ذلك من باب الإشتغال وهو ظاهر على مذهب من لا يشترط في المنصوب على الإشتغال صحة الرفع على الإبتداء وأما على مذهب من يشترط ذلك فغير ظاهر لأن سورة نكرة لا مسوغ لها فلا يجوز رفعها على الإبتداء ولعل من يشترط ذلك ويقول بالنصب على الإشتغال هنا يجعل النكرة موصوفة بما يدل عليه التنوين كأنه قيل : سورة عظيمة كما قيل في شرأ هر ذا ناب
وقال الفراء : نصب سورة على أنها حال من ضمير النصب في أنزلناها والحال من الضمير يجوز أن يتقدم عليه انتهى ولعل الضمير على هذا للأحكام المفهومة من الكلام فكأنه قيل : أنزلنا الأحكام سورة أي في حال كونها سورة من سور القرآن وإلى هذا ذهب في البحر وربما يقال : يجوز أن يكون الضمير للسورة الموجودة في العلم من غير ملاحظة تقييدها بوصف و سورة المذكورة موصوفة بما يدل عليه تندينها فكأنه قيل : أنزلنا السورة حال كونها سورة عظيمة ولا يخفى أن كل ذلك تكلف لا داعي إليه مع وجود الوجه الذي لا غبار عليه وقوله تعالى : وفرضناها إما على تقدير مضاف أي فرضنا أحكامها وإما على اعتبار المجاز في الإسناد حيث أسند ما للمدلول للدال لملابسة بينهما تشبه الظرفية : ويحتمل على بعد أن يكون في الكلام استخدام بأن يراد بسورة معناها الحقيقي وبضميرها معناها المجازي أعني الأحكام المدلول عليها بها والفرض في الأصل قطع الشيء الصلب والتأثير فيه والمراد به هنا الإيجاب على أتم وجه فكأنه قيل : أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا وفي ذكر ذلك براعة استهلاك على ما قيل
وقرأ عبد الله وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة وأبو عمرو وابن كثير وفرضناها بتشديد الراء لتأكيد الإيجاب والإشارة إلى زيادة لزومه أو لتعدد الفرائض وكثرتها أو لكثرة المفروض عليهم من السلف والخلف وفي الحوافي الشهابية قد فسر فرضناها بفصلناها ويجري فيه ما ذكر أيضا وأنزلنا فيها أي في هذه السورة آيات بينات يحتمل أن يراد بها الآيات التي نيطت بها الأحكام المفروضة وأمر الظرفية عليه ظاهر ومعنى كونها بينات وضوح دلالتها على أحكامها لا على معانيها مطلقا لأنها أسوة لأكثر الآيات في ذلك وتكرير أنزلنا مع استلزان إنزال السورة إنزالها إبراز كمال العناية بشأنها ويحتمل أن يراد بها جمع آيات السورة والظرفية حينئذ باعتبار اشتمال الكل على كل واحد من أجزائه ومعنى كونها بينات أنها