كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

لا يقاوم ما ذكر من القطع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وكذا لا يقاوم إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم ويحتمل أن يقال : إنه كرم الله تعالى وجهه لم يثبت عنده الإحصان إلا بعد الجلد وهو بعيد جدا كما يظهر من الرجوع إلى القصة والله تعالى أعلم وإحصان الرجم يتحقق بأشياء نظمها بعضهم فقال شروط إحصان أتت ستة فخذها عن النص مستفهما بلوغ وعقل وحرية ورابعها كونه مسلما وعقد صحيح ووطه مباح متى اختل شرط فلن يرجما وزاد غير واحد كون واحد من الزوجين مساويا الآخر في شرائط الإحصان وقت الإصابة بحكم النكاح فلو تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية أو مجنونة أو كتابية ودخل بها لا يصير محصنا بهذا الدخول حتى لو زنى من بعد لا يرجم وكذا لو تزوجت الحرة البالغة العاقلة المسلمة من عبد أو مجنون أو صبي ودخل بها لا تصير محصنة فلا ترجم لو زنت بعد
وذكر ابن الكمال شرطا آخر وهو أن لا يبطل إحصانهما بالإرتداد فلو ارتدا والعياذ بالله تعالى ثم أسلما لم يعد إلا بالدخول بعده ولو بطل بجنون أو عته عاد بالإفافة وقيل بالوطء بعده والشافعي لا يشترط المساواة في شرائط الإحصان وقت الإصابة فلا رجم عنده في المسئلتين السابقتين وكذا لا يشترط الإسلام فلو زنى الذمي الثيب الحر يجلد عندنا ويرجم عنده وهو رواية عن أبي يوسف وبه قال أحمد وقول مالك كقولنا
واستدل المخالف بما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن اليهود جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام : كذبتم فيما زعمتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فسردوها فوضع أحدهم يعني عبد الله بن صوريا يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فقالوا : صدق يا محمد فأمر بهما النبي صلى الله عليه و سلم فرجما
ودليلنا ما رواه إسحاق بن راهوية في مسنده قال : أخبرنا عبد العزيز بن محمد حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من أشرك بالله فليس بمحصن وقد رفع هذا الخبر كما قال إسحاق مرة ووقف أخرى ورواه الدارقطني في سننه وقال : لم يرفعه غير راهوية بن راهوية يقال : إنه رجع عن ذلك والصواب أنه موقوف أه وفي العناية أن لفظ إسحاق كما تراه ليس فيه رجوع وإنما ذكر عن الراوي أنه مرة رفعه ومرة أخرجه مخرج الفتوى ولم يرفعه ولا شك في أن مثله بعد صحة الطريق إليه محكوم برفعه على ما هو المختر في علم الحديث من أنه إذا تعارض الرفع والوقف حكم بالرفع وبعد ذلك إذا خرج من طرق فيها ضعف لا يضر
وأجاب بعض أجلة أصحابنا بأنه كان الرجم مشروعا بدون اشتراط الإسلام حين رجم صلى الله عليه و سلم الرجل والمرأة اليهوديين وذلك بما أنزله الله تعالى إليه عليه الصلاة و السلام وسؤاله صلى الله عليه و سلم اليهود عما يجدونه في التوراة في شأنه ليس لأن يعلم حكمه من ذلك
والقول بأنه عليه الصلاة و السلام كان أول ما قدم المدينة مأمورا بالحكم بما في التوراة ممنوع بل ليس ذلك إلا ليبكتهم بترك الحكم بما أنزل الله تعالى عليهم فلما حصل الغرض حكم صلى الله عليه و سلم برجمهما بشرعه الموافق

الصفحة 80