كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
لشرعهم وإذا علم بأن الرجم كان ثابتا في شرعنا حال رجمهما بلا اشتراط الإسلام وقد ثبت في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المفيد لاشتراط الإسلام وليس تاريخ يعرف به تقدم اشتراط الإسلام على عدم اشتراطه أو تأخره عنه حصل التعارض بين فعله صلى الله عليه و سلم رجم اليهوديين وقوله المذكور فيطلب الترجيح وقد قالوا : إذا تعارض القول والفعل ولم يعلم المتقدم من المتأخر يقدم القول على الفعل وفيه وجه آخر وهو أن تقديم هذا القول موجب لدرء الحد وتقديم ذلك الفعل يوجب الإحتياط في إيجاب الحد والأولى في الحدود ترجيح الرافع عند التعارض
ولا يخفى أن كل مترجح فهو محكوم بتأخره اجتهادا فيكون المعول عليه في الحكم حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وقول المخالف : إن المراد بالمحصن فيه المحصن الذي يقتص له من المسلم خلاف الظاهر لأن أكثر استعمال الإحصان في إحصان الرجم
ورد بعضهم بالآية على القائلين : إن حد زنا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة وهم الإمام الشافعي والإمام أحمد والثورى والحسن بن صالح ووجه الرد أن قوله تعالى الزانية والزاني الخ شروع في بيان حكم الزنا ما هو فكان المذكور تمام حكمه زإلا كان تجهيلا لا بيانا وتفصيلا إذ يفهم منه أنه تمام وليس بتمام في الواقع فكان مع الشروع في البيان أبعد من البيان لأنه أوقع في الجهل المركب وقبله كان الجهل بسيطا فيفهم بمقتضى ذلك أن حد الزانية والزاني ليس إلا الجلد وأخصر من هذا أن المقام مقام البيان فالسكوت فيه يفيد الحصر وقال المخالف : لو سلما الدلالة على الحصر وأن المذكور تمام الحكم ليكون المعنى إن حد كل ليس إلا الجلد فذلك منسوخ بما صح من رواية عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه و سلم البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وأجيب بأنه بعد التسليم لا تصح دعوى النسخ بما ذكر لأنه خبر الواحد وعندنا لا يجوز نسخ الكتاب به والقول بأن الخبر المذكور قد تلقته الأمة بالقبول لا يجدي نفعا لأنه إن أريد بتلقيه بالقبول إجماعهم على العمل به فممنوع فقد صح عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه لا يقوم بتغريبهما وقال : حسبهما من الفتنة أن ينفيا وفي رواية كفى بالنفي فتنة وإن أريد إجماعهم على صحته بمعنى صحه سنده فكثير من أخبار الآحاد كذلك ولم تخرج بذلك عن كونها آحادا على أنه ليس فيه أكثر من كون التغريب واجبا ولا يدل على أنه واجب الحد بل ما في صحيح البخاري من قول أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد ظاهر في أن النفي ليس من الحد لعظمه عليه وكونه استعمل الحد في جزء مسماه وعطف على الجزء الآخر بعيد فجاز كونه تعزيرا لمصلحة وقد يغرب الإمام لمصلحة يراها في غير ما ذكر كما صح أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه غرب نصر بن حجاج إلى البصرة بسبب أنه لجماله افتتن بعض النساء به فسمع قائلة يقال : إنها أم الحجاج الثقفي ولذا قال له عبد الملك يوما يا ابن المتمنية تقول
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أو هل سبيل إلى نصر بن حجاج إلى فتى ماجد الإعراق مقبل سهل المحيا كريم غير ملجاج