كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
والقول بأنه لا يجتمع التعزيز مع الحد لا يخفى ما فيه وادعى الفقيه المرغيناني أن الخبر المذكور منسوخ فإن شطره الثاني الدال على الجمع بين الجلد والرجم منسوخ كما علمت وفيه أنه لا لزوم فيجوز أن تروى جمل نسخ بعضها وبعضها لم ينسخ نعم ربما يكون نسخ أحد الشطرين مسهلا لتطرق احتمال نسخ الشطر الآخر فيكون هذا الإحتمال قائما فيما نحن فيه فيضعف عن درجة الآحاد التي لم يتطرق ذلك الإحتمال إليها فيكون أحرى أن لا ينسخ ما أفاده الكتاب من أن الحد هو الجلد لا غير على ما سمعت تقريره فتأمل
ثم إن التغريب ليس مخصوصا بالرجل عند أولئك الأئمة فقد قالوا : تغرب المرأة على محرم وأجرته عليها في قول وفي بيت المال في آخر ولو امتنع ففي قول يجبره الإمام وفي آخر لا ولو كان الطريق آمنة ففي تغريبها بلا محرم قولان وعند مالك والأوزاعي إنما ينفي ولا تنفى المرأة لقولي عليه الصلاة و السلام : البكر بالبكر الخ وقال غيرهما ممن تقدم : إن الحديث يجب أن يشملها فإنه أوله خذوا عني قد جعل الله تعالى لهن سبيلا البكر البكر الخ وهو نص على أن النفي والجلد سبيل للنساء والبكر يقال : على الأنثى ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة و السلام : البكر تستأذن ومع قطع النظر عن كل ذلك قد يقال : إن هذا من المواضع التي تثبت الأحكام فيه في النساء بالنصوص المفيدة إياها للرجال بتنقيح المناط هذا ثم لا يخفى أن الظاهر من الزانية والزاني ما يشمل الرقيق وغيره فيكون مقدار الحد في الجميع واحدا لكن قوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب الآية أخرجت الإماء فإن الآية نزلت فيهن وكذا أخرجت العبيد إذ لا فرق بين الذكر والأنثى بتنقيح المناط فيرجع في ذلك إلى دلالة النص بناء على أنه لا يشترط في الدلالة أولوية المسكوت بالحكم من المذكور بل المساواة تكفي فيه وقيل تدخل العبيد بطريق التغليب عكس القاعدة وهي تغليب الذكور
ولا يشترط الإحصان في الرقيق لما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن ومن لم يحصن وفيه دليل على أن الشرط أعني الإحصان في الآية الدالة على تنصيف الحد لا مفهوم له ونقل عن ابن عباس وطاوس أنه لا حد على الأمة حتى تحصن بزوج وفيه اعتبار المفهوم ثم هذا الإحصان شرط للجلد لأن الرجم لا يتنصف وللشافعي في تغريب العبد أقوال : يغرب سنة يغرب نصف سنة لا يغرب أصلا والخطاب في قوله تعالى : فاجلدوا لأئمة المسلمين ونوابهم
واختلف في إقامة المولى الحد على عبده فعندنا لا يقيمه إلا بإذن الإمام وقال الشافعي ومالك وأحمد يقيمه من غير إذن وعن مالك إلا في الأمة المزوجة واستثنى الشافعي في المولى الذمي والمكاتب والمرأة وكذا اختلف في إقامة الخارجي المتغلب الحد فقيل يقيم وقيل لا وأدلة الأقوال المذكورة وتحقيق ما هو الحق منها محله والظاهر أن إقامة الحد المذكور بعد تحقق الزنا بإحدى الطرق المعلومة وقال إسحاق : إذا وجد رجل وامرأة في ثوب واحد يجلد كل منهما مائة جلدة وروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما وقال عطاء والثوري ومالك وأحمد : يؤدبان على مذاهبهم في الأدب ولا تأخذكم بهما رأفة تلطف ومعاملة برفق وشفقة في دين الله في طاعته وإقامته حده الذي شرعه عز و جل والمراد النهي عن