كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

الأنوثة واستقلال دفع عار ما نسب إليه بالتأثير بحيث لا يتوقف فهمه على ثبوت أهلية الإجتهاد وكذا ثبوت وجوب جلد رامية المحصن أو المحصنة بتلك الدلالة وإلا فالذين يرمون للجمع المذكر وتخصيص الذكور في جانب الرامي والإناث في جانب المرمي لخصوص الواقعة وقيل المراد الفروج المحصنات وفيه أن إسناد الرمي يأباه مع ما فيه من التوصيف بالمحصنات من مخالفة الظاهر
وقال ابن حزم وحكاه الزهراوي : المراد الأنفس المحصنات واستدل له أبو حيان بقوله تعالى والمحصنات من النساء فإنه لو لا أن المحصنات صالح للعموم لم يقيد وتعقب بأن من النساء هناك قرينة على العموم ولا قرينة هنا وجعل كون حكم الرجال كذلك قرينة لا يخلو عن شيء فالأولى الإعتماد على ما تقدم والإحصان هنا لا يتحقق إلا بتحقق العفة عن الزنا وهو معناه المشهور وبالحرية والبلوغ والعقل والإسلام
قال أبو بكر الرازي : ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في ذلك ولعل غيره علم كما ستعلم إن شاء الله تعالى وثبوته بإقرار القاذف أو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين خلافا لزفر ووجه اعتبار العفة عن الزنا ظاهر ولكن في شرح الطحاوي في الكلام على العفة عدم الإقتصار على كونها عن الزنا حيث قال فيها : بأن لم يكن وطيء امرأة بالزنا ولا بشبهة ولا بنكاح فاسد في عمره فإن كان فعل ذلك مرة يريد النكاح الفاسد تسقط عدالته ولا حد على قاذفه وكذا لوطيء في غير الملك كما إذا وطيء جارية مشتركة بينه وبين غيره سقطت عدالته ولو وطيء في الملك إلا أنه محرم فإنه ينظر إن كانت الحرمة مؤقتة لا تسقط عدالته كما إذا وطيء امرأته في الحيض أو أمته المجوسية وإن كانت مؤبدة سقطت عدالته كما إذا وطيء أمته وهي اخته من الرضاعة
ولو مس امرأة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثم تزوج بنتها فدخل بها أو أمها لا يسقط أحصانه عند أبي حنيفة عليه الرحمة وعندهما يسقط ولو وطيء امرأة بالنكاح ثم تزوج بها سقط إحصانه انتهى
والمذكور في غير كتاب أن أبا حنيفة يشترط في سقوط الحد عن قاذف الواطيء في الحرمة المؤبدة كون تلك الحرمة ثابتة بحديث مشهور كحرمة وطيء المنكوحة بلا شهود الثابتة بقوله عليه الصلاة و السلام لا نكاح إلا بشهود وهو حديث مشهور أو ثابتة بالإجماع كموطوأة أبيه بالنكاح أو بملك اليمين لو تزوجها الابن أو اشتراها فوطئها ومثل ذلك عنده وطء مزنيته فإنه لا يعتبر الخلاف عند ثبوت الحرمة بالنص وهنا قد ثبتت به لقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤهم من النساء وإنما يعتبره إذا ثبت بقياس أو احتياط كثبوتها بالنظر إلى الفرج والمس بشهوة فإن ثبوتها فيما ذكر لإقامة السبب مقام المسبب احتياطا ومن هذا يعلم حال فروعه كثيرة فليحفظ وما ذكر من سقوط إحصان من وطيء أمته وهي أخته من الرضاع فيه خلاف الكرخي فإنه قال لا يسقط الإحصان بوطئها وهو قول الشافعي ومالك وأحمد لقيام الملك فكان كوطء أمته المجوسية وفيه أن الحرمة في وطء المجوسية يمكن ارتفاعها فتكون مؤقتة وحرمة الرضاع لا يمكن ارتفاعها فلم يكن المحل قابلا للحل أصلا واشترط في الملك أن لا يظهر فساده بالإستحقاق فلو اشترى جارية فوطئها ثم استحقت فقذفه إنسان لا يحد وفي كافي الحاكم والقهستاني والفتح أن الوطء في الشراء الفاسد يسقط

الصفحة 89