كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
إلى الزنا وذلك غير قذف فلا يكون قذفا للمخاطب لأنه تشريك له فيما ليس بقذف ويحد بلست لأبيك لما فيه من نسبة الزنا إلى الأم ولما جاء في الأثر عن ابن مسعود لا حد إلا في قذف محصنة أو نفي رجل من أبيه وقيد يكونه في حالة الغضب إذ هو في حالة الرضا يراد به المعاتبة بنفي مشابهته له وذكر أن مقتضى القياس أن لا حد به مطلقا لجواز أن ينفي النسب من أبيه من غير أن تكون الأم زانية من كل وجه بأن تكون موطوأة بشبهة ولدت في عدة الواطيء لكن ترك ذلك للأثر ولا حد بالتعريض كأن يقول ما أنا بزان أو ليست أمي زانية وبه قال الشافعي وسفيان الثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح وهو الرواية المشهورة عن أحمد وقال مالك وهو رواية عن أحمد : يحد بتا لعريض لما روى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال كان : عمر رضي الله تعالى عنه يضرب الحد بالتعريض وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه جلد رجلا بالتعريض ولأنه إذا عرف المراد بدليله من القرينة صار كالصريح وللجماعة أن الشارع لم يعتبر مثله فإنه حرم صريح خطبة المتوفي عنها زوجها في العدة وأباح التعريض فقال سبحانه : ولا تواعدوهن سرا وقال تعالى : ولا جناح عليكم فيما عرضتم من خطبة النساء أو أكننتم فإذا ثبت من الشرع عدم اتحاد حكمهما في غير الحد لم يجز أن يعتبر مثله على وجه يوجب الحد المحتاط في درئه وهو أولى من الإستدلال بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يلزم الحد للذي قال : يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود يعرض بنفسه لأن إلزام حد القذف متوقف على الدعوى والمرأة تدع ذلك ولا حد بوطئك فلان وطأ حراما أو جامعك حراما أو فجرت بفلانة أو يا حرام زاده أو اذهب فقل لفلان : إنك زان فذهب الرسول فقال له ذلك عنه بأن قال : فلان يقول إنك زان لا إذا قال له : إنك زان فإنه يحد الرسول حينئذ واستيفاء ما فيه حد ومالا حد فيه في كتب الفقه وقولنا في كذا حد على إرادته إذا تحقق الشرط المفهوم من قوله سبحانه : ثم لم يأتوا الخ واشتراط الإتيان بأربعة شهداء تشديدا على القاذف ويشترط كونهم رجالا لما صرحوا به من أنه لا مدخل لشهادة النساء في الحدود وظاهر إتيان التاء في العدد مشعر باشتراط كونهم كذلك ولا يشترط فيهم العدالة ليلزم من عدم الإتيان بأربعة شهداء عدول الجلد لما صرح به في الملتقط من أنه لو أتي بأربعة فساق فشهدوا أن الأمر كما قال رديء الحد على القاذف والمقذوف والشهود ووجه ذلك أن في الفاسق نوع قصور وإن كان من أهل الأداء والتحمل ولذا لو قضي نفذ عندنا فيثبت بشهادتهم شبهة الزنا فيسقط الحد عنهم وعن القاذف وكذا عن المقذوف لاشتراط العدالة في الثبوت ولو كانوا عميانا أو عبيدا أو محدودين في قذف فإنهم يحدون للقذف دون المشهود عليه لعدم أهلية الشهادة فيهم كما قيل
والظاهر أن القاذف يحد أيضا لأن الشهود إذا حدوا مع أنهم إنما تمكنوا على وجه الشهادة دون القذف فحد القاذف أولى والظاهر أن المراد ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون على من رمى بأنه زنى والمتبادر أن يكون ذلك عن معاينة لكن قال في الفتح : لو شهد رجلان أو رجل وامرأتان على إقرار المقذوف بالزنا يدرأ عن القاذف الحد وكذا عن الثلاثة أي الرجل والمرأتين لأن الثابت بالبينة كالثابت فكأنا سمعنا إقراره بالزنا انتهى
وأنت تعلم أن البينة على الإقرار لا تعتبر بالنسبة إلى حد المقذوف لأنه إن كان منكرا فقد رجع بالإنكار عن الإقرار وهو موجب لدرء الحد فتلغو البينة وإن أقر بشرطه لا تسمع فإنها إنما تسمع مع الإقرار في سبع