كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)

الوارث في حق استيفاء القصاص وإنما لا يصح عفوه لأنه متعنت فيه لأنه رضا بالعار والرضا بالعار عار ولا يخفى ما في ذلك من الأبحاث
والشافعي يستدل بالآية لعدم التداخل فإن مقتضاها ترتب الحكم على الوصف المشعر بالعلية فيتكرر بتكرره ويجاب بأن الإجماع لما كان على دفع الحدود بالشبهات كان مقيدا لما اقتضته الآية من التكرر عند التكرر بالتكرر الواقع من بعد الحد الأول بل هذا ضروري لظهور أن المخاطبين بالإقامة في قوله تعالى فاجلدوهم هم الحكام ولا يتعلق بهم هذا الخطاب إلا بعد الثبوت عندهم فكان حاصل لآية إيجاب الحد إذ ثبت عندهم السبب وهو الرمي وهو أعم من كونه بوصف الكثرة أو القلة فإذا ثبت وقوعه منه كثيرا كان موجبا للجلد ثمانين ليس غير فإذا جلد ذلك وقع الإمتثال ثم هو عليه الرحمة ترك مقتضى التكرر فيما إذا قذف واحدا مرة ثم قذفه ثانيا بذلك الزنا فإنه لا يحد مرتين عنده أيضا وكذا في حد الزنا والشرب فإنه إذا زنى ألف مرة أو شرب كذلك لا يحد إلا مرة فالحق أن استدلاله بالآية لا يخلص فإنه ملجيء إلى ترك مثلها من آية أخرى وهي آية حد الزنا فيعود إلى أن هذا حق آدمي بخلاف الزنا فكان المبني هو إثبات أنه حق الله عز و جل أو حق العبد والنظر الدقيق يقتضي أن الغالب فيه حق الله سبحانه وتعالى فتدبر
ثم الظاهر أن الرمي المراد في الآية لا يتوقف على حضور المرمي وخطابه فقذف المحصن حاضرا أو غائبا له الحكم المذكور كما في التاتار خانية نقلا عن المضمرات واعتمده في الدرر ويدل على أن الغيبة كالحضور حده صلى الله عليه و سلم أهل الإفك مع أنه لم يشافه أحد منهم به من نزهها الله تعالى عنه فما في حاوي الزاهدي سمع من أناس كثيرة أن فلانا يزني بفلانة فتكلم بما سمعه منهم مع آخر في غيبة فلان لا يجب حد القذف لأنه غيبة لا رمي وقذف بالزنا لأن الرمي والقذف به إنما يكون بالخطاب كقوله : يا زاني يا زانية ضعيف لا يعول عليه
والظاهر أيضا أنه لا فرق بين رمي الحد ورمي الميت فإذا قال : أبوك زان أو أمك زانية كان قاذفا ويحد عند تحقق الشرط لا لو قال : جدك زان فإنه لا حد عليه لما في الظهيرية من أنه لا يدري أي جد هو وفي الفتح لأن في أجداده من هو كافر فلا يكون قاذفا مالم يعين محصنا ويطالب بحد القذف للميت من يقع القدح في نسبه بالقذف وهو الوالد وإن علا والوالد وإن سفل ولا يطلبان عن غائب خلافا لابن أبي ليلى لعدم اليأس عن مطالبته ولأنه يجوز أن يصدق القاذف وولد البنت كولد الإبن في هذا الفصل خلافا لما روي عن محمد وتثبت المطالبة للمحروم عن الميراث بقتل أو رق أو كفر نعم ليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة التي قذفها في حال موتها وعند زفر إذا كان الولد عبدا أو كافرا لا حق له فيها مطلقا وتثبت للأبعد مع وجود الأقرب فيطالب ولد الولد وجود الولد خلافا لزفر ولو عفا بعضهم لغيره المطالبة لأنها الدفع العار عن نفسه والأم كالأب تطالب بحد قذف ولدها لا أم الأم وأبوها ولا يطالب الابن أباه وجده وإن علا بقذف أمه وهو قول الشافعي وأحمد ورواية عن مالك والمشهور عنه أن للإبن أن يطالب الأب بقذف الأم فيقيم عليه الحد وهو قول أبي ثور وابن المنذر لعموم الآية أو إطلاقها ولأنه حد هو حق الله عز و جل ولا يمنع من إقامته قرابة الولاد
وأجيب بأن عموم قوله تعالى ولا تقل لهما أف مانع من إقامة الولد الحد على أبيه ولا فائدة للمطالبة سوى ذلك والمانع مقدم وقد صح أنه صلى الله عليه و سلم قال لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده وأجمعوا على أنه لا يقتص

الصفحة 95