كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
وتقبل روايته وأورد على العموم أنهم اكتفوا في النكاح بشهادة المحدودين وأجيب بأن الشهادة هناك بمعنى الحضور وإنما يكتفي به في انعقاد النكاح وقد صرحوا بأن للنكاح حكمين حكم الإنعقاد وحكم الإظهار ولا يقبل في الثاني إلا شهادة من تقبل شهادته في سائر الأحكام كما في شرح الطحاوي والحاصل أن الآية تدل على وجوب رد شهادة المحدود على الحكام بمعنى أنه إذا شهد عندهم على حكم وجب عليهم رد شهادته ويندرج في ذلك شهادته في النكاح لأنه يشهد عندهم إذا وقع التجاحد فلا يعكر على العموم اعتبار حضور مجلس النكاح في صحة انعقاده ذلك أمر وراء ما نحن فيه كذا قيل فليتدبر وذهب الشافعي إلى قبول شهادة المحدود إذا تاب والمردا بتوبته أن يكذب نفسه في قذفه ومبني الخلاف على المشهور الخلاف فيما إذا جاء استثناء بعد جمل مقترنة بالواو هل ينصرف للجملة الأخيرة أو إلى الكل أو هناك تفصيل فالذي ذهب إليه أصحاب الشافعي انصرافه إلى الكل والذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة انصرافه للجملة الأخيرة وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة إن كان الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الأولى ولا يضمر فيها شيء مما في الأولى فالإستثناء مختص بالجملة الأخيرة لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الأولى مع استقلالها بنفسها إلى غيرها إلا وقد تم مقصودها منها وذلك على أربعة أقسام الأول أن تختلف الجملتان نوعا كما لو قال : أكرم بني تميم والنحاة البصريون إلا البغاددة إذ الجملة الأولى أمر والثانية خبر الثاني أن يتحدا نوعا ويختلفا اسما وحكما كما لو قال أكرم بني تميم واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران الثالث أن يتحدا نوعا ويشتركا حكما لا إسما كما لو قال : سلم على بني تميم وسلم على بني ربيعة إلا الطوال الرابع أن يتحدا نوعا ويشتركا اسما لا حكما ولا يشتركا الحكمان في غرض من الأغراض كما لو قال مسلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال وقوة اقتضاء اختصاص الإستثناء بالجملة الأخيرة في هذه الأقسام على هذا الترتيب وإن لم يكن الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الأولى بأن كان بين الجملتين نوع تعلق فالإستثناء ينصرف إلى الكل وذلك على أربعة أقسام أيضا الأول أن يتحد الجملتان نوعا واسما لا حكما غير أن الحكمين قد اشتركا في غرض واحد كما لو قال : أكرم بني تميم إلا الطوال لاشتراكهما في غرض الإعظام الثاني أن يتحد الجملتان نوعا ويختلفا حكما واسم الأولى مضمر في الثانية كما لو قال : أكرم بني تميم واستأجرهم إلا الطوال الثالث بعكس ما قبله : أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال الرابع أن يختلف نوع الجمل إلا أنه قد أضمر في الأخيرة ما تقدم أو كان غرض الأحكام المختلفة فيها واحد وجعل آية الرمي التي نحن من ذلك حيث قيل : إن جملها مختلفة النوع من حيث أن قوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة أمر وقوله سبحانه ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا نهي وقوله جل وعلا وأولئك هم الفاسقون خبر وهي داخلة أيضا تحت القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة لاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الإنتقام والإهانة وداخلة أيضا تحت القسم الثاني من جهة إضمار الإسم المتقدم فيها وذهب الشريف المرتضى من الشيعة إلى القول بالإشتراك وذهب القاضي أبو بكر الغزالي وجماعة إلى الوقف وقال الآدمي : المختار أنه مهما ظهر كون الواو للإبتداء فالإستثناء مختصا بالجملة الأخيرة كما في القسم الأول من الأقسام الثمانية لعدم تعلق إحدى الجملتين بالأخرى وهو ظاهر وحيث أمكن أن تكون الواو للعطف أو الإبتداء كما في باقي الأقسام السبعة فالواجب الوقف وذكر حجج الذاهب بما لها وعليها في الأحكام وفي التلويح وغيره أنه لا خلاف في جواز رجوع الإستثناء إلى كل