كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
واهانة وهو يستدعي استحضارهم وتوبيخهم بالاضلال وجزمهم بأن العبدة سيقولون هؤلاء أضلونا وقيل : يجوز أن يكون العبدة قد أجابوا معتذرين بقولهم هؤلاء أضلونا ثم قال الشركاء ما قص الله تعالى ردا لقولهم ذلك إلا أنه لم يحك إيجازا لظهوره ربنا هؤلاء الذين أغوينا تمهيد للجواب والاشارة إلى العبدة لبيان أنهم يقولون ما يقولون بمحضر منهم وأنهم غير قادرين على إنكاره ورده و هؤلاء مبتدأ خبره الموصول بعده وجملة أغوينا صلة الموصول والعائد محذوف للتصريح به فيما بعد أي الذين أغويناهم وقوله تعالى : أغويناهم كما غوينا هو الجواب حقيقة أي ما أكرهناهم على الغي وإنما أغويناهم بطريق الوسوسة والتسويل لا بالقسر والالجاء فغووا باختيارهم غيا مثل غينا باختيارنا ويجوز أن يكون الموصول اسم الاشارة والخبر جملة أغويناهم كما غوينا ومنه ذلك أبو علي في التذكرة بأنه يؤدي إلى أن الخبر لا يكون فيه فائدة زائدة لأن إغواءهم إياهم قد علم من الوصف ورد بأن التشبيه دل على أنهم غووا باختيار لأن أن الاغواء إلجاء وقوله : إن كما غوينا فضلة فلا تصير ذاك أصلا في الجملة ليس بشيء لأن الفضلات قد تلزم في بعض المواضع نحو زيد عمرو قائم في داره وقرأ أبان عن عاصم وبعض الشاميين كما غوينا بكسر الواو قال ابن خالويه : وليس ذلك مختارا لأن كلام العرب غويت من الضلالة وغويت بالكسر من البشم تبرأنا منهم ومما اختاروه من الكفر والمعاصي هوى من أنفسهم موجهين التبرؤ ومهيئين له إليك والجملة تقرير لما قبلها لأن الاقرار بالغواية تبرؤ في الحقيقة ولذا لم تعطف عليه وكذا قوله تعالى : ما كانوا إيانا يعبدون
36
- أي ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون في نفس الأمر والمآل أهواءهم وقيل : ما مصدرية متصلة بقوله تعالى : تبرأنا وهناك جار مقدر أي تبرأنا من عبادتهم إيانا وجعلها نافية على أن المعنى ما كانوا يعبدوننا باستحقاق وحجة ليس بشيء وأيا ما كان فأيانا مفعول يعبدون قدم للفاصلة وقيل تقريعا لهم وتهكما بهم ادعوا شركاءكم الذين زعمتم فدعوهم لفرط الحيرة وإلا فليس هناك طلب حقيقة للدعاء وقيل : دعوهم لضرورة الامتثال على أن هناك طلبا والغرض من طلب ذلك منهم تفضيحهم على رؤوس الاشهاد بدعاء من لا نفع له لنفسه قيل : والظاهر من تعقيب صيغة الأمر بالفاء في قوله تعالى فدعوهم أنها لطلب الدعاء وإيجابه والأول أبلغ في تهويل أمر أولئك الكفرة والاشارة إلى سوء حالهم وأمر التعقيب بالفاء سهل فلم يستجيبوا لهم ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة وجوز أن يكون المراد فلم يجيبوهم لأنهم في شغل شاغل عنهم ولعلهم ختم على أفواههم إذ ذاك ورأوا العذاب الظاهر أن الضمير للداعين وقال الضحاك : هو للداعين والمدعوين جميعا وقيل : هو للمدعوين فقط وليس بشيء والظاهر أن الرؤية العذاب إما على معنى رؤية مباديه أو على معنى رؤيته نفسه بتنزيله منزلة المشاهد وجوز أن تكون علمية والمفعول الثاني محذوف أي رأوا العذاب متصلا بهم أو غاشيا لهم أو نحو ذلك وأنت تعلم أن حذف أحد مفعولي أفعال القلوب في جوازه وتقدم آنفا عن البعض أن الأكثرين على المنع فمن منع وقال في بيان المعنى ورأوا العذاب متصلا بهم متصلا حالا من العذاب لو أنهم كانوا يهتدون
46
- لو شرطية وجوابها محذوف أي لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب لدفعوا به العذاب أو لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين مؤمنين لما رأوا العذاب