كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

واعترضواعترض بأن الدال على المحذوف رأوا العذاب وهو مثبت فلا يقدر المحذوف منفيا وهو غير وارد لأن الالتفات إلى المعنى وإذا جاز الحذف لمجرد دلالة الحال فإذا انضم إليها شهادة المقال كان أولى وأولى وجوز أن تكون لو للتمني أي تمنوا لو أنهم كانوا مهتدين فلا تحتاج إلى الجواب وقال صاحب التقريب : فيه نظر إذ حقه أن يقال لو كنا إلا أن يكون على الحكاية كأقسم ليضربن أو على تأويل رأوا متمنين هدايتهم وجوز على تقدير كونها للتمني أن يكون قد وضع لو أنهم كانوا مهتدين موضع تحيروا لرؤيته كان كل أحد يتمنى لهم الهداية عند ذلك الهول والتحير ترحما عليهم أو هو من الله تعالى شأنه على المجاز كما قيل : في قوله تعالى : ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير وجعل الطيبي وضعه موضعه من إطلاق المسبب على السبب لأن تحيرهم سبب حامل على هذا القول
وقال عليه الرحمة : إن النظم على هذا الوجه ينطبق واختار الامام الرازي أنها شرطية إلا أنه لم يرتض ما قالوه في تقدير الجواب فقال بعد نقل ما قالوه : وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقريره وجوه أحدها أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله سبحانه : ادعوا شركاءكم فهناك يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار فيصيرون بحيث لا يبصرون شيئا فقال سبحانه : رأوا العذاب لو أنهم كانوا يبصرون شيئا على معنى أنهم لم يروا العذاب لأنهم صاروا بحيث لا يبصرون شيئا وثانيها أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الاصنام إنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم : ورأو العذاب لو أنهم كانوا يهتدون أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك والاتيان بضمير العقلاء على حسب اعتقاد القوم بهم وثالثها أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي والكفار علموا حقية هذا العذاب لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فان ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية اه ولعمري أنه لم يأت بشيء وما يرد عليه أظهر من أن يخفى على من له أدنى تمييز بين الحي واللي
ويوم يناديهم فيقول ما أجبتم المرسلين
46
- عطف على الأول سئلوا أولا عن إشراكهم لأنه المقصود من أين شركائي الذين زعمتم وثانيا عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك
فعميت عليهم الانباء يومئذ أصله فعموا عن الانباء أي لم يهتدوا إليها وفيه استعارة تصريحية تبعية حيث استعير العمى لعدم الاهتداء ثم قلب للمبالغة فجعل الانباء لا تهتدي اليهم وضمن العمى معنى الخفاء فعدي بعلى ولولاه لتعدى بعن ولم يتعلق بالانباء لأنها مسموعة لا مبصرة وفي هذا القلب دلالة على أن ما يحضر الذهن يفيض عليه ويصل اليه من الخارج ونفس الامر اما ابتداء وإا بواسطة تذكر الصورة الواردة منه باماراتها الخارجية فاذا أخطأ الذهن الخارج بأن لم يصل اليه لانسداد الطريق بينه وبينه بعمى ونحوه لم يمكنه إحضار ولا استحضار وذلك لأن لما جعل الانباء الواردة عليهم من الخارج عميا لا تهتدي دل على أنهم عمي لا يهتدون بالطريق الأولى لأن اهتداءهم بها فاذا كانت هي في نفسها لا تهتدي فما بالك بمن يهتدي بها كذا قيل : فليتدبر وجوز أن يكون في الكلام استعارة مكنية تخيلية أي فصارت الانباء كالعمى عليهم لا تهتدي اليهم والمراد بالأنباء إما ما طلب منهم مما أجابوا به الرسل عليهم السلام أو ما يعمها وكل ما يمكن الجواب به وإذا كانت الرسل عليهم السلام يتتعتعون في الجواب عن مثل ذلك في ذلك المقام الهائل ويفوضون العلم إلى

الصفحة 102