كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

لبيانلبيان مواجب عقدي النكاح والاجارة في تلك الشريعة تفصيلا وقول شعيب عليه السلام : إني أريد أن أنكحك الخ ظاهر في أنه عرض لرأيه على موسى عليه السلام واستدعاء منه للعقد وتحقيق له بالفعل ولم يجزم القائلون باتفاق الشريعتين في ذلك بكيفية ما وقع فقيل لعل النكاح جرى على معينة بمهر غير الخدمة المذكورة وهي إنما ذكرت على طريق المعاهدة لا المعاقدة فكأنه قال : أريد أن أنكحك احدى ابنتي بمهر معين إذا أجرتني ثمان حجج بأجرة معلومة فما تقول في ذلك فرضي فعقد له على معينة منهما فلا يرد الابهام في المرأة المزوجة غير صحيح وعلى الخدمة ومنافع الحر عندنا أيضا خصوصا إذا قيل : إن مدتها غير معينة وهي أيضا ليست للزوجة بل لأبيها فكيف صح كونها مهرا وقيل : يجوز أن يكون جرى على معينة بمهر الخدمة المذكورة ولا فساد في جعل الرعية مهرا افنه جائز عند الشافعي عليه الرحمة وكذا عند الحنفية كما يفهم من الهداية ونقل عن صاحب المدارك أنه قال : التزوج على رعي الغنم جائز بالاجماع لأنه قيام بأمر الزوجية لا خدمة صرفة وفي دعوى الاجماع ان أريد به اجماع الأئمة مطلقا بحث ففي المحيط البرهاني لو تزوجها على أن يرعى غنمها سنة لم يجز على رواية الأصل وروى ابن سماعة عن محمد أنه يجوز في الرعي وفي الانتصاف مذهب مالك في ذلك على ثلاثة أقوال المنع والكراهة والجواز ويقال على الجواز كانت الغنم للمزوجة لا لأبيها وليس في المدة إبهام إذ هي الحجج الثمان والزائدة قد وعد موسى عليه السلام والوفاء به إن تيسر له على أن الابهام في المهر يجوز كما هو مبين في الفروع وقال بعضهم : يجوز أن تكون الشرائع مختلفة في أمر الانكاح فلعل إنكاح المبهمة جائز في شريعة شعيب عليه السلام ويكون التعيين للولي أو للزوج وكذا جعل خدمة الولي صداقا ونحو ذلك مما لا يجوز في شريعتنا
ولا يرد أن ما قص من الشرائع السالفة من غير إنكار فهو شرع لنا لأنه على الاطلاق غير مسلم وفي الاكليل عن مكي أنه قال : في الآية خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول المدة وجعل المهر إجارة ودخل ولم ينفذ شيئا والذي يميل اليه القلب اختلاف الشرائع في مواجب النكاح وربما يستأنس له بما في الفصل التاسع والعشرين من السفر الاول من التوراة أن يعقوب عليه السلام مضى إلى بلد أهل الشرق فاذا بئر في الصحراء على فمها صخرة عظيمة وعندها ثلاث قطعان من الغنم لرعاتها : من أين أنتم يا أخوة قالوا : من حران فقال لهم : أتعرفون لابان بن ناحور فقالوا : نعم فقال : أحي هو قالوا : نعم وهذه راحيل ابنته مع الغنم ثم قال : ليس هذا وقت انضمام الماشية فاسقوا الغنم وامضوا بها فرعوها قالوا : لا نطيق ذلك إلى أن تجتمع الرعاة ويدحرجوا الصخرة عن فم البئر فبينما هو يخاطبهم جاءت راحيل مع غنم أبيها فلما رأى ذلك تقدم ودحرج الصخرة وسقى غنم خاله لابان ثم قبل راحيل وبكى وأخبرها أنه ابن عمتها ربقا فأخبرت أباها فخرج للقائه فعانقه وقبله وأدخله إلى منزله ثم قال لابان له : أما أنت فعظمي ولحمي ومكث عنده شهرا فقال له لابان : أنت وإن كنت ذا قرابة مني لا استحسن أن تخدمني مجانا فاخبرني بما تريد من الأجرة وكان له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وعينا ليا حسنتان وراحيل حسنة الحلية والمنظر فأحبها يعقوب فقال : أخدمك سبع سنين براحيل فقال : لابان : اعطائي اياها لك أصلح من إعطائي إياها لرجل آخر فأقم عندي فخدمه براحيل سبع سنين ثم قال : اعطني زوجتي فقد كملت أيامي فجمع

الصفحة 69