كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
ولاولا يفلح عنده الظالمون وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري قاله اللعين بعدما جمع السحرة وتصدى للمعارضة والظاهر أنه أراد حقيقة ما يدل عليه كلامه وهو نفي علمه باله غيره دون وجوده فان عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه ولم يجزم بالعدم بأن يقول : ليس لكم إله غيري مع أن كلا من هذا وما قاله كذب لأن ظاهر قول موسى عليه السلام له لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر يقتضي أنه كان عالما بأن إلههم غيره وما تركه أوفق ظاهرا بما قصده من تبعيد قومه عن اتباع موسى عليه السلام اختيارا لدسيسة شيطانية وهو إظهار أنه منصف في الجملة ليتوصل بذلك إلى قبولهم ما يقوله لهم بعد في امر الإله وتسليمهم إياه له اعتمادا على ما رأوا من إنصافه فكأنه قال ما علمت في الأزمنة الماضية لكم إلها غيري كما يقول موسى والأمر محتمل وسأحقق لكم ذلك
فأوقد لي يا هامان على الطين أي اصنع لي آجرا فاجعل لي منه صرحا أي بناء مكشوفا عاليا من صرح الشيء إذا ظهر لعلي أطلع أي اطلع وأصعد فافتعل بمعنى الفعل المجرد كما في البحر وغيره إلى إله موسى الذي يذكر أنه إلهه وإله العالمين كأنه يوهم قومه أنه تعالى لو كان كما يقول موسى لكان جسما في السماء كون الاجسام فيها يمكن الرقي اليه ثم قال : وإني لأظنه من الكاذبين فيما يذكر تأكيدا لما أراد وإعلاما بأن ترجيه الصعود إلى إله موسى عليه السلام ليس لأنه جازم بأنه هناك والأمر بجعل الصرح وبنائه لا يدل على أنه بني وقد اختلف في ذلك فقيل بناه وذكر من وصفه ما الله عز و جل أعلم به وقيل لم يبن وعلى هذا يكون قوله ذلك وأمره للتلبيس على قومه وإيهامه إياهم أنه بصدد تحقيق الأمر ويكون ما ذكر ذكرا لأحد طرق التحقق فيتمكن من أن يقول بعده حققت الامر بطريق آخر فعلمت أن ليس لكم إله غيري وأن موسى كاذب فيما يقول وعلى الاول يحتمل أن يكون صعد الصرح وحده أو مع من يأمنه على سره وبقي ما بقي ثم نزل اليهم فقال لهم : صعدت إلى إله موسى وحققت إن ليس الامر كما يقول وعلمت أن ليس لكم اله غيري وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : لما بني له الصرح ارتقى فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت اليه وهي متلطخة دما فقال قتلت إله موسى وهذا إن صح من باب التهكم بالفعل ولا أظنه يصح وأيا ما كان فالقوم كانوا في غاية الغباوة والجهل وإفراط العماية والبلادة وإلا لما نفق عليهم مثل هذا الهذيان ولله تعالى خواص في الأزمنة والامكنة والاشخاص ولا يبعد أن يقال كان فيهم من ذوي العقول من يعلم تمويهه وتلبيسه ويعتقد هذيانه فيما يقول إلا أنه نظم نفسه في سلك الجهال ولم يظهر خلافا لما عليه اللعين بحال من الاحوال وذلك إما للرغبة فيما لديه أو للرهبة من سطوته واعتدائه عليه وكم رأينا عاقلا وعالما فاضلا يوافق لذلك الظلمة الجبابرة ويصدقهم فيما يقولون وإن كان مستحيلا أو كفرا بالآخرة
وكان قول اللعين لموسى عليه السلام لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين بعد هذا القول المحكي ههنا بأن يكون قاله وأردفه باخبارهم على البت أن لا إله لهم غيره ثم هدد موسى بالسجن إن بدا منه ما يشعر بخلافه وهذا وجه في الآية لا يخلو عن لطف وإن كان فيه نوع خفاء وفيها أوجه أخر الأول أنه أراد بقوله : ما علمت لكم من إله غيري نفي العلم دون الوجود كما في ذلك الوجه إلا أنه لم ينف الوجود لأنه لم