كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
يكن عنده ما يقتضي الجزم بالعدم وأراد بقوله إني لأظنه من الكاذبين إن لأظنه كاذبا في دعوى الرسالة من الله تعالى وأراد بقوله : يا هامان أوقد لي على الطين الخ إعلام للناس بفساد دعواه تلك بناء على توهمه أنه تعالى ان كان كان في السماء بأنه لو كان رسولا منه تعالى فهو ممن يصل اليه وذلك بالصعود اليه وهو مما لا يقوى عليه الانسان فيكون من نوع المحال بالنسبة اليه فما بني عليه وهي الرسالة منه تعالى مثله فقوله : فاجعل لي صرحا لاظهار عدم امكان الصعود الموقوف عليه صحة دعوى الرسالة في زعمه ولعل للتهكم
الثاني أنه اراد أيضا نفي العلم بالوجود دون الوجود نفسه لكنه كان في نفي العلم ملبسا على قومه كاذبا فيه حيث كان يعلم أن لهم إلها غيره هو إله الخلق أجمعين وهو الله عز و جل وأراد بقوله : وإني الخ اني لأظنه كاذبا في دعوى الرسالة كما في سابقه وأراد بقوله يا هامان الخ طلب أن يجعل له ما يزيل به شكه في الرسالة وذلك بأن يبني له رصدا في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب الدالة على الحوادث الكونية بزعمه فيرى هل فيها ما يدل على ارسال الله تعالى إياه
وتعقب بأنه لا يناسب قوله فأطلع إلى إله موسى إلا أن يراد فأطلع على حكم إله موسى باوضاع الكواكب والنظر فيها هل أرسل موسى كما يقول أم لا فيكون الكلام على تقدير مضاف و إلى فيه بمعنى على وجوز على هذا الوجه أن يكون قد أراد باله موسى الكواكب فكأنه قال لعلي أصعد إلى الكواكب التي هي إله موسى فانظر هل فيها ما يدل على إرسالها إياه أو لعلي أطلع على حكم الكواكب التي هي إله موسى في أمر رسالته وهو كما ترى وبالجملة هذا الوجه مما لا ينبغي أن يلتفت اليه الثالث أنه أراد بنفي علمه باله غيره نفي وجوده وبظنه كاذبا ظنه كاذبا في إثباته الها غيره ويفسر الظن باليقين كما في قول دريد بن الصمة : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد فاثبات الظن المذكور لا يدفع إرادة ذلك النفي وجوز بعضهم إبقاءه على ظاهره وقال في دفع المنافاة : يمكن أن يقال : الظاهر أن كلامه الأول كان تمويها وتلبيسا على القوم والثاني كان مواضعة مع صاحب سره هامان فاثبات الظن في الثاني لا يدفع أن يكون العلم في الأول لنفي المعلوم وفيه أنه يأبى ذلك سوق الآية والفاء في فأوقد لي وطلبه بناء الصرح راجيا الصعود إلى إله موسى عليه السلام اراد به التهكم كأنه نسب إلى موسى عليه السلام القول بأن إلهه في السماء فقال : يا هامان اجعل لي صرحا لأصعد إلى إله موسى متهكما به وهذا نظير ما إذا أخبرك شخص بحياة زيد وأنه في داره وأنت تعلم خلاف ذلك فتقول لغلامك بعد أن تذكر علمك بما يخالف قوله متهكما به يا غلام اسرج لي الدابة لعلي أذهب إلى فلان واستأنس به بل ما قاله فرعون أظهر في التهكم مما ذكر فطلبه بناء الصرح بناء على هذا لا يكون منافيا لما ادعاه أولا وآخرا من العلم واليقين
وقال بعضهم في دفع ما قيل : من المنافاة : إنها إنما تكون لو لم يكن قوله : لعلي أطلع الخ على طريق التسليم والتنزل : إن اللعين كان مشركا يعتقد أن من ملك قطرا كان إلهه ومعبود أهله فما أثبته في قوله : لعلى أطلع الخ الإله لغير مملكته وما نفاه الهها كما يشير اليه قوله لكم ولا يخلو عن بحث
وفي الكشاف القول بالمناقضة بين بناء الصرح وما ادعاه من العلم واليقين إلا أنه قال قد خفيت على قومه