كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

لغباوتهم وبلههم او لم تخف عليهم ولكن كلا كان يخاف على نفسه سوطه وسيفه وإذا فتح هذا الباب جاز ابقاء الظن على ظاهره من غير حاجة إلى دفع التناقض والاولى عندي السعي في دفع التناقض فاذا لم يكن استند في ارتكاب المخذول إياه إلى جهله أو سفهه وعدم مبالاته بالقوم لغباوتهم أو خوفهم منه أو نحو ذلك واعترض القول بأنه أراد بنفي علمه باله غيره نفي وجوده فقال في التحقيق : وذكره غيره أيضا إنه غير سديد فان عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه لا سيما عدم علم شخص واحد وقال القاضي البيضاوي : هذا في العلوم الفعلية صحيح لأنها لازمة لتحقق معلوماتها فيلزم من انتفاؤها ولا كذلك العلوم الانفعالية ورد بأن غرض قائل ذلك أن عدم الوجود سبب لعدم العلم بالوجود في الجملة ولا شك أنه كذلك فاطلق المسبب وأريد السبب لا أن بينهما ملازمة كلية على أنه لما كان من أقوى أسباب عدم العلم لأنه المطرد جاز أن يطلق ويراد به الوجود إذ لا يشترط في فن البلاغة اللزوم العقلي بل العادي والعرفي كاف أيضا وقد يقول أحد منا لا أعلم ذلك أي لو كان موجودا لعلمته إذا قامت قرينة وهذا الاستعمال شائع في عرفي العرب والعجم عند العامة والخاصة ومنه قول المزكي : إذا سئل عن عدالة الشهود لا أعلم كيف وكان المخذول يدعي الالهية ثم الظاهر أن الكلام على تقدير إرادة نفي الوجود كناية لا مجاز وبالجملة ما ذكر وجه وجيه وتعيين الاوجه مفوض إلى ذهنك والله تعالى الموفق
واستدل بعض من يقول : إن الله تعالى في السماء بالمعنى الذي أراده سبحانه في قوله عز و جل : أأمنتم من في السماء حسبما يقول السلف بهذه الآية ووجه ذلك بأن فرعون لو لم يسمع من موسى عليه السلام أن إلهه في السماء لما قال : فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى فقوله ذلك دليل السماع إلا أنه أخطأ في فهم المراد مما سمعه فزعم أن كونه تعالى في السماء بطريق المظروفية والتمكن ونحوهما مما يكون للاجسام وأنت تعلم ان هذا الاستدلال في غاية الضعف واثبات مذهب السلف لا يحتاج إلى أن يتمسك له بمثل ذلك وفي قول المخذول : أوقد لي على الطين والمراد به اللبن دون اصنع لي آجرا اشارة إلى أنه لم يكن لهامان علم بصنعة الآجر فأمره باتخاذه على وجه يتضمن التعليم وفي الآثار ما يؤيد ذلك فقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال فرعون أول من طبخ الآجر وصنع له الصرح وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال ما علمت ان أحدا بنى بالآجر غير فرعون وفي أمره إياه وهو وزيره ورديفه بعمل السفلة من الايقاد على الطين مناديا له باسمه دون تكنية وتلقيب بيا دون ما يدل على القرب في وسط الكلام دون أوله من الدلالة على تجبره وتعظمه ما لا يخفى
واستكبر هو وجنوده أي رأوا كل من سواهم حقيرا بالاضافة اليهم ولم يروا العظمة والكبرياء الا لأنفسهم فنظروا إلى غيرهم نظر الملوك إلى العبيد في الأرض الاكثرون على أن المراد في أرض مصر وقيل : المراد بها الجرم المعروف المقابل للسماء وفيه التقييد بها تشنيع عليهم حيث استكبروا فيما هو أسفل الاجرام وكان اللائق بهم أن ينظروا إلى محلهم وتسفله فلا يستكبروا بغير الحق أي بعير الاستحقاق لما أن رؤيتهم تلك باطلة ولا تكون رؤية الكل حقيرا بالاضافة إلى الرائي ورؤية العظمة والكبرياء لنفسه على الخصوص دون غيره حقا إلا من الله عز و جل ومن هنا قال الزمخشري : الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وكل مستكبر سواه

الصفحة 82