كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

عز و جل فاستكباره بغير الحق وفي الحديث القدسي الكبرياء ردائي والعظمة ازاري فمن نازعني واحد منهما القيته في النار وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون
93
- بالبعث للجزاء والظن قيل : إما على ظاهره أو عبر عن اعتقادهم به تحقيرا لهم وتمهيلا وقرأ حمزة والكسائي ونافع لا يرجعون بفتح الياء وكسر الجيم
فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم أي القيناهم وأغرقناهم فيه وقد مر تفصيل ذلك وفي التعبير بالنبذ وهو إلقاء الشيء الحقير وطرحه لقلة الاعتداد به ولذلك قال الشاعر : نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا من نعالك باليا استحقارا لهم وفي الكلام على ما قيل استعارة مكنية وتخييلية وذلك أنهم شبهوا في الحقارة بنعال بالية واستعير لهم اسم النعال ثم حذف المستعار وبقي المستعار له وجعل النبذ قرينة على أنه حقيقة والمجاز في التعلق على نحو ما قيل في إظفار المنية نشبت بفلان وقال بعضهم : الأخذ وهو حقيقة في التناول مجاز عن خلق الداعية لهم إلى السير إلى البحر والنبذ مجاز عن خلق الداعية لهم إلى دخوله وفي البحر أنه كناية عن ادخالهم فيه والاولى أن يكون الكلام من باب التمثيل كأنه عز و جل فيما فعل بهم أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم والظاهر أن الفاء الاولى سببية وليست لمجرد التعقيب وأما الثانية فللتعقيب إذا أبقي الاخذ على معنى التناول أو أريد به خلق الداعية إلى السير أو نحوه أما إدا أريد به الاهلاك فهي للتفسير كما في فاستجبنا له فنجيناه ونحوه فانظر يا محمد كيف كان عاقبة الظالمين
4
- وبينها للناس ليعتبروا بها وجعلناهم أي خلقناهم أئمة قدوة للضلال بسبب حملهم لهم على الضلال كما يؤذن بذلك قوله تعالى : يدعون إلى النارج أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي على أن النار مجاز عن ذلك أو على تقدير مضاف والمراد جعلهم ضالين مضلين والجعل هنا مثله في قوله تعالى : جعل الظلمات والنار والآية ظاهرة في مذهب أهل السنة من أن الخير والشر مخلوقان لله عز و جل وأولهما المعتزلة تارة بأن الجعل فيها بمعنى التسمية مثله في قوله تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا أي وسميناهم فيما بين الامم بعدهم دعاة إلى النار وتارة بأن جعلهم كذلك بمعنى خذلانهم ومنعهم من اللطف والتوفيق للهداية والاول محكي عن الجبائي والثاني عن الكعبي وعن أبي مسلم أن المراد صيرناهم بتعجل العذاب لهم أئمة أي متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار وهذا في غاية التعسف كما لا يخفى ويوم القيامة لا ينصرون
14
- بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه واتبعناهم في هذه الدنيا التي فتنتهم لعنة طردا وابعادا أو لعنا من اللاعنين حيث لا تزال الملائكة عليهم السلام تلعنهم وكذا المؤمنون خلفا عن سلف وذلك إما بدخولهم في عموم من يلعنوهم من الظالمين وإما بالتنصيص عليهم نحو لعن الله تعالى فرعون وجنوده ويوم القيامة هم من المقبوحين من المطرودين المبعدين يقال : قبحه الله تعالى بالتخفيف أي نحاه وأبعده عن كل خير كما قال الليث ولا يتكرر مع اللعنة المذكورة قيل : لأن معناها الطرد أيضا لأن في الدنيا وهذا في الآخرة أو ذاك طرد عن رحمته التي في الدنيا وهذا طرد عن الجنة أو على هذا يراد باللعنة فيما تقدم ما تأخر مع أن من المطرودين معناه أنهم من الزمرة المعروفين بذلك وهو أبلغ وأخص وقال أبو عبيدة والاخفش من المقبوحين أي من المهلكين وعن ابن عباس أي من المشوهين في

الصفحة 83