كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
الخلقة بسواد الوجوه وزرقة العيون وهذا المعنى هو المتبادر إلا أن فيه أن فعل قبح عليه لازم فبناء اسم المفعول منه غير ظاهر وقد يقال : إذا صح هذا التفسير عن ابن عباس التزم القول بأنه سمع أيضا وجوز أن يكون ذلك تفسيرا بما هو لازم في الجملة ويوم القيامة متعلق بالمقبوحين أو بمحذوف يفسره ذلك على ما علمت آنفا في نظيره وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج وعبد بن حميد عن قتادة ما هو ظاهر في أنه معطوف على هذه الدنيا وهو عطف على المحل والمروي عن ابن جريج أظهر في ذلك وكلاهما في الدر المنثور والظاهر ما سمعته أولا
وهذه الآية أظهر دليل على عدم نجاة فرعون يوم القيامة وأنه ملعون مبعد عن رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة فان ضمائر جمع الغائب فيها راجعة إلى فرعون وجنوده ويكاد ينتظم من التزم ارجاعها إلى الجنود في الجنود وفي الفتاوي الحديثية للعلامة ابن حجر روى عدي والطبراني عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه و سلم قال : خلق الله تعالى يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن امه كافرا
ولقد ءاتينا موسى الكتاب أي التوراة وهو على ما قال أبو حيان أول كتاب فصلت فيه الاحكام من بعد ما أهلكنا القرون الاولى أقوام نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام والتعرض لكون إيتائها بعد إهلاكهم للاشعار بأنها نزلت بعد مساس الحاجة اليها تمهيدا لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال القران الكريم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فان إهلاك القرون الاولى من موجبات اندراس معالم الشرائع وانطماس آثارها المؤديين إلى إختلال نظام العالم وفساد أحوال الأمم المستدعيين للتشريع الجديد بتقرير الاصول الباقية على ممر الدهور وترتيب الفروع المتبدلة بتبدل العصور وتذكير أحوال الامم الخالية الموجبة للاعتبار ومن غفل عن هذا قال : الأولى ان تفسر القرون الاولى بمن لم يؤمن بموسى عليه السلام ويقابلها الثانية وهي من آمن به عليه السلام وقيل : المراد بها ما يعم من لم يؤمن بموسى من فرعون وجنوده والامم المهلكة من قبل وليس بذاك وما مصدريةأي آتيناه ذلك بعد إهلاكنا القرون الاولى بصائر للناس أي أنوارا لقلوبهم تبصر بها الحقائق وتمييز بين الحق والباطل حيث كانت عميا عن الفهم والادراك بالكلية فان البصيرة نور القلب الذي به يستبصر كما أن نور العين الذي به تبصر ويطلق على نفس العين ويجمع على أبصار والاول يجمع على بصائر والمراد بالناس قيل أمته عليه السلام وقيل ما يعمهم ومن بعدهم وكون التوراة بصائر لمن بعث اليه نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم لتضمنها ما يرشدهم إلى حقية بعثته عليه الصلاة و السلام أو يزيدهم علما إلى علمهم وتعقب بأنه يلزم على هذا الحض على مطالعة التوراة والعلم بما فيها وقد صح أن عمر رضي الله تعالى عنه استأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جوامع كتبها من التوراة ليقرأها ويزداد علما إلى علمه فغضب صلى الله تعالى عليه وسلم حتى عرف في وجهه ثم قال : لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي فرمى عمر رضي الله تعالى عنه من يده وندم على ذلك
وأجيب بأن غضبه صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك لما أن التوراة التي بأيدي اليهود إذ ذاك كانت محرفة وفيها الزيادة والنقص وليست عين التوراة التي انزلت على موسى عليه السلام وكان الناس حديثي عهد بكفر فلو فتح باب المراجعة إلى التوراة ومطالعتها في ذلك الزمان لأذى إلى فساد عظيم فالنهي عن قراءتها حيث الاسلام حديث والخروج عن الكفر جديد لا يدل على أنها ليست في نفسها بصائر مشتملة على ما يرشد إلى حقية بعثته