كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
صلى الله تعالى عليه وسلم ويزيد علما بصحة ما جاء به ومما يدل على حل الرجوع اليها في الجملة قوله تعالى : قل فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين وقد كان المومنون من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار ينقلون منها ما ينقلون من الاخبار ولم ينكر ذلك ولا سماعه أحد من اساطين الاسلام ولا فرق بين سماع ما ينقلونه منهم وبين قراءته فيها وأخذه منها وقد رجع اليها غير واحد من العلماء في الزام اليهود والاحتجاج عليهم ببعض عباراتها حقية بعثته صلى الله تعالى عليه وسلم والذي أميل اليه كون المراد بالناس بني إسرائيل فانه الذي يقتضيه المقام
وأما مطالعة التوراة فالبحث فيها طويل وفي تحفة المحتاج للمولى العلامة ابن حجر عليه الرحمة يحرم على غير عالم متبحر مطالعة نحو توراة علم تبدلها أو شك فيه وهو أقرب إلى التحقيق ومن سبر التوراة التي بأيدي اليهود اليوم رأى أكثرها مبدلا لا توافق بينه وبين ما في القرآن العظيم أصلا وهو المعول عليه وهدى أي إلى الشرائع التي هي الطرق الموصلة إلى الله عز و جل ورحمة حيث ينال من عمل به رحمة الله تعالى بمقتضى وعده سبحانه فعموم رحمته بهذا المعنى لا ينافي أن من الناس من هو كافر بها وهو غير مرحوم وانتصاب المتعاطفات على الحالية من الكتاب على أنه نفس البصائر والهدى والرحمة أو على حذف المضاف أي ذا بصائر الخ وجوز أبو البقاء انتصابها على العلة أي آتيناه الكتاب لبصائر وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون
34
- أي كي يتذكروا بناء على أن لعل للتعليل فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قال لعل في القرآن بمعنى كي غير آية في الشعراء لعلكم تخلدون وحكى الواقدي عن البغوي أنه قال جميع ما في القرآن من لعل للتعليل الا لعلكم تخلدون فانها فيه للتشبيه والمشهور أنها للترجي ولما كان محالا عليه عز و جل جعل بعضهم الكلام من باب التمثيل والمراد آتيناه ذلك ليكونواعلى حالة قابلة للتذكر كحال من يرجى منه الخير وبعض آخر صرف الترجي إلى المخاطبين فهو منهم لا منه تعالى وجعل الزمخشري في ذلك استعارة تبعية حيث شبه الارادة بالترجي لكون كل منهما طلب الوقوع ورد بأن فيه لزوم تخلف مراد الله تعالى عن ارادته لعدم تذكر الكل إلا أن يكون من قبيل اسناد ما للبعض إلى الكل وأنت تعلم ان الارادة عند المعتزلة قسمان : تفويضية وهي قد يتخلف المراد عنها وقسرية وهي لا يتخلف المراد عنها أصلا فمتى أريد القسم الاول منها هنا زال الاشكال إلا أن التقسيم المذكور خلاف المذهب الحق وما كنت بجانب الغربي شروع في بيان أن انزال القرآن الكريم أيضا واقع زمان مساس الحاجة اليه واقتضاء الحكمة له البتة متضمنا تحقيق كونه وحيا صادقا من عند الله تعالى بيان أن الوقوف على ما فصل من الاحوال لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها وحيث انتفى كلاهما تبين أنه بوحي من علام الغيوب لا محالة كذا قيل : ولا يخفى أن تعين كونه بوحي لا يتم بنفي كونه بالاستفاضة وكونه بالتعلم من بعض أهل الكتاب المعاصرين له صلى الله تعالى عليه وسلم كما قال المشركون : إنما يعلمه بشر ولعله إنما لم يتعرض لنفي ذلك وتعرض لنفي ما هو أظهر انتفاء منه للاشارة إلى ظهور انتفاء ذلك والمبالغة في دعوى ذلك حيث آذن بان المحتاج إلى الاخبار بانتفائه ذأنك الامران دونه على أنه عز و جل قد نفى في